والحقيقة أنّ مالك الأشتر رحمه الله كان كذلك ، بلاءه المشهود في صفين ودفاعه الحاسم عن الإمام عليه السلام في مواقع مختلفة ووفاءه المطلق واستقامته في جميع الحوادث الصعبة التي وقعت في ذلك العصر ، كلّها شاهد حي على صحة كلام الإمام عليه السلام في حق الأشتر ، فقد كان الأشتر هو القائد الفذ الذي جعل جيش معاوية في صفين يصل إلى حدّ الهزيمة الكاملة ، ولكن مؤامرة رفع المصاحف على الرماح أجهضت سعيه وأعاقت تحقيق النصر على معاوية .
يقول ابن أبي الحديد في شرحه لنهج البلاغة عند وصوله لجملة
« فَرَحِمَهُ اللَّهُ »
: « ولست أشك بأنّ الأشتر بهذه الدعوة يغفر اللَّه له ويكفّر ذنوبه ويدخله الجنّة ، ولا فرق بينها وبين دعوة رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ،
وَياطُوبىْ لِمَنْ حَصَلَ لَهُ مِنْ عَليٍّ عليه السلام بَعضُ هَذا » « 1 » .
وقد تحدّث الإمام عليه السلام في رسائل عدّة في نهج البلاغة عن مالك الأشتر بوصفه شخصيّة ممتازة وعالي الهمة ، وهذا الثناء يشير إلى أنّ للأشتر مكانة سامية عند الإمام عليه السلام الذي كان يكنّ له الحبّ والاحترام ، وقد تحدّثنا في شرح الرسالة 13 عن بعض فضائل مالك الأشتر وامتيازاته النادرة ، وسنشير في ذيل هذه الرسالة والرسائل أخرى أيضاً إلى أمور أخرى عن هذه الشخصيّة الإسلاميّة الفذة .
ثمّ يشير الإمام عليه السلام إلى نقطة ثالثة : ولكن الآن حيث استشهد مالك ولا أعرف أفضل منك لتولي هذا المنصب فعليك بالبقاء فيه والاستعداد لمواجهة العدو بشجاعة وبصيرة :
« فَأَصْحِرْ « 2 » لِعَدُوِّكَ ، وَامْضِ عَلَى بَصِيرَتِكَ ، وَشَمِّرْ « 3 » لِحَرْبِ مَنْ حَارَبَكَ » .
وجملة «
فَأَصْحِرْ لِعَدُوِّكَ
» إشارة إلى هذه النقطة ، وهي أنّ الإمام عليه السلام أكد عليها في خطبة الدعوة للجهاد حيث قال :
« وَقُلْتُ لَكُمُ اغْزُوهُمْ قَبْلَ أَنْ يَغْزُوكُمْ فَوَاللَّهِ مَا غُزِيَ
هامش
( 1 ) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ، ج 16 ، ص 144 .
( 2 ) . « أَصْحِرَ » فعل أمر من مادة « اصحار » وتعني الخروج والظهور في الصحراء .
( 3 ) . « شَمِّر » من مادة « تشمير » ، وأصل شمّر على زون « تمر » وتعني الجمع وحسب المنتوج والاستعداد لعمل معين .