أَمَّا بَعْدُ ، فَقَدْ بَلَغَنِي مَوْجِدَتُكَ مِنْ تَسْرِيحِ الْأَشْتَرِ إِلَى عَمَلِكَ ، وَإِنّي لَمْ أَفْعَلْ ذلِكَ اسْتِبْطَاءً لَكَ فِي الْجَهْدِ ، وَلَا ازْدِيَاداً لَكَ فِي الْجِدِّ وَلَوْ نَزَعْتُ مَا تَحْتَ يَدِكَ مِنْ سُلْطَانِكَ لَوَلَّيْتُكَ مَا هُوَ أَيْسَرُ عَلَيْكَ مَؤُونَةً وَأَعْجَبُ إِلَيْك وِلَايَةً .
إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي كُنْتُ وَلَّيْتُهُ أَمْرَ مِصْرَ كانَ رَجُلًا لَنَا نَاصِحاً ، وَعَلَى عَدُوِّنَا شَدِيداً نَاقِماً ، فَرَحِمَهُ اللَّهُ ! فَلَقَدِ اسْتَكْمَلَ أَيَّامَهُ ، وَلَاقَى حِمَامَهُ ، وَنَحْنُ عَنْهُ رَاضُونَ ؛ أَوْلَاهُ اللَّهُ رِضْوَانَهُ ، وَضَاعَفَ الثَّوَابَ لَهُ ! فَأَصْحِرْ لِعَدُوِّكَ ، وَامْضِ عَلَى بَصِيرَتِكَ ، وَشَمِّرْ لِحَرْبِ مَنْ حَارَبَكَ ، وَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ ، وَأَكْثِرِ الْاسْتِعَانَةَ بِاللَّهِ يَكْفِكَ مَا أَهَمَّكَ ، وَيُعِنْكَ عَلَى مَا يُنْزَلُ بِكَ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ .
الشرح والتفسير : تطييب خاطر محمّد بن أبي بكر
لقد أشار الإمام عليه السلام في هذه الرسالة المختصرة إلى عدّة نقاط مهمّة فقال أوّلًا :
« أَمَّا بَعْدُ ، فَقَدْ بَلَغَنِي مَوْجِدَتُكَ « 1 » مِنْ تَسْرِيحِ « 2 » الْأَشْتَرِ إِلَى عَمَلِكَ « 3 » ، وَإِنّي لَمْ أَفْعَلْ
ذلِكَ اسْتِبْطَاءً « 4 » لَكَ فِي الْجَهْدِ ، وَلَاازْدِيَاداً لَكَ فِي الْجِدِّ » .
وبهذا الكلام سعى الإمام عليه السلام لتطييب خاطر محمّد بن أبي بكر وأكّد له أنّه راضٍ
هامش
( 1 ) . « مَوْجِدَة » بمعنى الغضب والاستياء .
( 2 ) . « تَسْرِيح » ارسال الشخص لطلب شيء وأداء عمل معين ، وتستعمل لكلّ تحرير وإزالة القيود ، ومن هنا يطلق على الطلاق بأنّه تسريح لأنّ الزوج يطلق ويسرح زوجته من قيود الزوجيّة .
( 3 ) . « عَمَل » في هذا المورد تعني الولاية والامارة ، ولذلك يقال للوالي أنّه « عامل » ، في الرسالة السابقة قرأنا أنّها رسالة من الإمام علي عليه السلام إلى « قثم بن العباس » عامله على مكّة .
( 4 ) . « اسْتِبْطَاء » ضد الاسراع ، أي تأخر في سيره ، بطيءً من مادة « بطء » على وزن « كُفر » .