عن عمله وأنّ هذا التغيير والاستبدال لا يعني أبداً أنّ محمّد بن أبي بكر مقصّر في عمله ، أو أنّ الإمام عليه السلام مستاء منه .
ثمّ واصل الإمام عليه السلام كلامه مخاطباً لمحمّد بن أبي بكر لتهدئة نفسه أكثر ورفع أي التباس في ذهنه وقال :
« وَلَوْ نَزَعْتُ مَا تَحْتَ يَدِكَ مِنْ سُلْطَانِكَ لَوَلَّيْتُكَ مَا هُوَ أَيْسَرُ عَلَيْكَ مَؤُونَةً وَأَعْجَبُ إِلَيْك وِلَايَةً » .
وفي الحقيقة أنّ الإمام عليه السلام بذكره لهاتين النقطتين ، وهما أنّه راضٍ من جهة عن أعمال محمّد بن أبي بكر ، ومن جهة أخرى أنّه لو عزله عن موقع معين فإنّه سيختار له موقعاً أفضل ، وبذلك رفع أي التباس وقلق من واليه على مصر .
وذهب بعض شرّاح نهج البلاغة إلى أنّ مراد الإمام عليه السلام من هذه العبارة أنّه سيعطيه مكاناً أفضل وأيسر مؤنة ، وهي ولاية حكومة خراسان أو بلاد فارس أو اليمن ، لأنّ جميع مناطق البلاد الإسلاميّة في ذلك الوقت ما عدا الشام ، كانت تحت حكومة الإمام علي عليه السلام « 1 » .
ثمّ ذكر الإمام عليه السلام السبب في اختياره لمالك الأشتر والياً على مصر ، ليرفع من جهة الشبهة عن ذهن محمّد بن أبي بكر ، ومن جهة أخرى يلفت نظره إلى بعض نقاط الضعف والقصور في شخصيّته ليتمكن من إصلاحها واستبدالها بنقاط قوّة ، يقول :
« إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي كُنْتُ وَلَّيْتُهُ أَمْرَ مِصْرَ كانَ رَجُلًا لَنَا نَاصِحاً ، وَعَلَى عَدُوِّنَا شَدِيداً نَاقِماً « 2 » ، فَرَحِمَهُ اللَّهُ ! فَلَقَدِ اسْتَكْمَلَ أَيَّامَهُ ، وَلَاقَى حِمَامَهُ « 3 » ، وَنَحْنُ عَنْهُ رَاضُونَ ؛
أَوْلَاهُ « 4 » اللَّهُ رِضْوَانَهُ ، وَضَاعَفَ الثَّوَابَ لَهُ ! » .
هامش
( 1 ) . انظر : شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ، ج 16 ، ص 144 .
( 2 ) . « نَاقِم » المنكر والمعترض ، وإذا كان اعتراضه على مستوى العمل والممارسة فتعني الانتقام من مادة « نَقَمَ » على وزن « قلم » .
( 3 ) . « حِمَام » من مادة « حَمَّ » على وزن « غمّ » بمعنى الشيء المقدر ، وبما أنّ الموت يعدّ تقديراً إلهيّاً على الإنسان فلذلك يطلق عليه الحمام .
( 4 ) . « أَوْلى » من مادة « ولاية » وتعني الشخص الذي يكلّف بعمل معين أو يوضع في اختياره شيء ، وهنا جاءت بالمعنى الثاني ، يعني أنّ اللَّه تعالى يضع رضاه وجنّته التي تعتبر نتيجة رضا اللَّه تعالى في اختيار مالك الأشتر .