« أَنْتَ أَشقَى خَلقِ اللَّهِ وَقَدْ قَتَلْتَ نَفسَكَ بِسَيفِكَ » « 1 » .
ثمّ يوصي الإمام عليه السلام بوصيّته الثالثة والأخيرة ويقول :
« وَلَا تُمَثِّلُوا « 2 » بِالرَّجُلِ ، فَإِنِّي
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله يَقُولُ : « إِيَّاكُمْ وَالْمُثْلَةَ وَلَوْ بِالْكَلْبِ الْعَقُورِ » « 3 » » .
إنّ المثلة بوصفها حالة إنتقامية وغير إنسانيّة كانت متداولة في عصر الجاهليّة ، ولذلك قام العرب المشركون في معركة أحد بقتل حمزة سيّد الشهداء وعمّ النّبي الأكرم صلى الله عليه وآله ، حيث لم يكتف العدو بقتله بل شّق صدره بوحشيّة وقساوة فظيعة وأُخرج كبده أو قلبه وقطع اذنه وأنفه ، وعندما شاهد رسول اللَّه صلى الله عليه وآله شهادة عمّه حمزة بن عبد المطلب ، تألم لذلك كثيراً وقال :
« اللّهمّ لَكَ الحَمدُ وَإليكَ المُستَعانُ عَلى ما أرى » ثمّ
قال :
« لَئِن ظَفرتُ لأَمُثلِنّ وَلأمَثِلَنّ وَلأمَثِلَنّ »
وعلى رواية أخرى أنّه قال :
« لأمَثِلَنّ بِسَبعِينَ مِنهُم »
فنزلت الآية : « وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرينَ » « 4 » ، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله :
« أصبرُ أصبرُ » « 5 »
( يعني ولا أنتقم ) .
ونعلم جيداً أنّ النّبي الأكرم صلى الله عليه وآله بعد فتح مكّة كان يملك القدرة الكاملة على الانتقام من أعدائه والمجرمين بأشدّ أنواع الانتقام ولكنّه آثر العفو والصفح عنهم ، أضف إلى ذلك ما ورد في حديث عن أحد الصحابة أنّه قال :
« مَا خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله خُطْبَةً أَبَداً إِلَّا أَمَرَنَا فِيهَا بِالصَّدَقَةِ وَنَهَانَا عَنِ الْمُثْلَة » « 6 » .
* * *
هامش
( 1 ) . تاريخ الطبري ، ج 4 ، ص 111 ؛ الكامل ، لابن الأثير ، ج 3 ، ص 390 .
( 2 ) . « تمثّلوا » من مادة « مثل » على وزن « أصل » بمعنى قطع وفصل أعضاء البدن في العقوبة .
( 3 ) . « عقور » بمعنى المتوحش والهاري ، وهي صيغة مبالغة من مادة « عقر » على وزن « عقد » بمعنى إصابته بجرح ، وهذه المفردة تستخدم غالباً في الكلاب ، ولكن أحياناً تطلق على حيوانات أخرى .
( 4 ) . سورة النحل ، الآية 126 .
( 5 ) . التفسير الأمثل ، ذيل الآية 126 من سورة النحل ، نقلًا عن تفسير العياشي والدر المنثور والميزان .
( 6 ) . بحار الأنوار ، ج 101 ، ص 216 ، ح 4 .