والقصور ، يقول الإمام عليه السلام : إنني لم أتوجه في حياتي إلى أيّ من هذه الأمور الأربعة ( في حين أنّ بإمكاني ذلك ) .
والعبارة الأخيرة في هذه الرسالة تعكس غاية التواضع والزهد لدى الإمام عليه السلام ، بأن يلفت نظر مخاطبه أو مخاطبيه لهذه المسألة المهمّة ، وهي أن لا يتلوثوا بالحياة المترفة لطبقة الأشراف بل يعيشون حالة المواساة للمحرومين والمعوزين وينخرطون في معيشتهم وحياتهم مع هذه الطبقة المحرومة من المجتمع .
« أَتَانٍ دَبِرَةٍ »
، تطلق على الدواب التي جرح ظهرها من كثرة الأحمال والعمل الشاق ، ولهذا السبب لا تأكل كما ينبغي وتفتقد شهيتها للطعام ( والجدير بالذكر أنّ بعض نسخ نهج البلاغة لم ترد فيها هذه الجملة والجملة التي بعدها ولم يذكرها الشرّاح في شروحهم لنهج البلاغة ) .
وفي ختام هذا المقطع من الرسالة يتحدّث الإمام عليه السلام عن عدم اهتمامه بالدنيا وأنّها في نظره ليست ذات قيمة إطلاقاً ويقول بمضمون عميق :
« وَلَهِيَ فِي عَيْنِي أَوْهَى وَأَوْهَنُ مِنْ عَفْصَةٍ « 1 » مَقِرَةٍ « 2 » » .
وتوضيح ذلك أنّ لشجرة البلوط أنواع وأقسام ، إحداها أنّها تثمر ثمرة مُرّة ومضافاً إلى مرورتها فإنّها قاسية وصلبة ، وبسبب قساوتها يستخدمها الدباغون في دباغة الجلود .
وبديهي أن تناول مثل هذه الثمرة المرّة والقاسية غير مستساغ أبداً ومن يضعها في فمه يضطر للفظها فوراً ، وهذا التشبيه يعدّ من أقوى وأبلغ تشبيهات نهج البلاغة عن حال الدنيا ، حيث إنّ الإمام عليه السلام جسد باطن وحقيقة الدنيا في قالب هذا المثال ، وتأتي لاحقاً مثل هذه العبارات في نهج البلاغة .
هامش
( 1 ) . « عفصة » تارة تطلق على شجرة البلوط ، وأخرى عل ثمرتها ، وهذه المادة يترشح منها سائل أبيض ومضافاً إلى مرارته فإنّه قابض .
( 2 ) . « مقر » تارة تأتي بمعنى المر ، وأخرى بمعنى الحامض ، وفي هذا المورد جاءت بمعنى الأوّل ، وهي تأكيد على مفهوم « عفصة » .