للطعام ، وهذا التعبير يشير إلى أنّ المجلس المذكور كان مجلساً ضخماً وقد دعيت إليه جماعة من الأشراف وجيىء إلى المائدة بأنواع الأطعمة اللذيذة .
ثمّ يضيف الإمام عليه السلام :
« وَمَا ظَنَنْتُ أَنَّكَ تُجِيبُ إِلَى طَعَامِ قَوْمٍ ، عَائِلُهُمْ « 1 » مَجْفُوٌّ « 2 » ،
وَغَنِيُّهُمْ مَدْعُوٌّ » .
هنا نرى أنّ الإمام عليه السلام يؤكّد أنّ العيب الكبير في هذه المأدُبة أنّها منحصرة بالأغنياء فقط ، فلو أنّ تلك الأطعمة المتنوعة واللذيذة كانت تشمل الجياع والمحرومين ليأكلوا منها فليست في ذلك مشكلة كبيرة ، ومن هذه الجهة فإنّ هذه المائدة كانت مليئة بشتى أنواع الأطعمة اللذيذة والمأكولات المتنوعة ، ومن جهة أخرى أنّ الأثرياء فقط هم المدعون لهذه المائدة دون المحرومين ، ولو أضفنا إلى ذلك دعوة عثمان بن حنيف إلى هذه المائدة فسيتضاعف الإشكال .
ونستوحي من سياق هذه الرسالة أنّ الإمام عليه السلام يطرح إشكالًا رابعاً في دعوة واليه إليها ويتمثّل في وجود أموال مشتبه في هذه المأدبة ، لأنّ الإمام عليه السلام يضيف إلى ذلك قوله :
« فَانْظُرْ إِلَى مَا تَقْضَمُهُ « 3 » مِنْ هَذَا الْمَقْضَمِ فَمَا اشْتَبَهَ عَلَيْكَ عِلْمُهُ فَالْفِظْهُ « 4 » ،
وَمَا أَيْقَنْتَ بِطِيبِ وُجُوهِهِ فَنَلْ مِنْهُ » .
والنقطة الملفتة للنظر ، أنّ الإمام عليه السلام كان يهتم بمراقبة عمّاله وولاته بشكل دقيق وينظر إلى حركاتهم وسلوكياتهم ، لئلا ينحرف الوالي أدنى انحراف وأن لا توجد فيه أيّة نقطة ضعف حتى المشاركة في ضيافة غير مناسبة له ، بحيث إنّ الإمام عليه السلام يرسل له رسالة مطولة وزاخرة بالنصائح المختلفة ويحذّره من مغبة مثل هذه السلوكيات الخاطئة ، وربّما لا نجد فيالعالم أجمع مثل هذا التوجيه الدقيق والضبط في إدارة الأمور .
هامش
( 1 ) . « عائل » بمعنى من له عيال محتاجين إليه .
( 2 ) . « مجفوّ » بمعنى المحروم والشخص الذي لم يعطى حقّه .
( 3 ) . « تقضمه » من مادة « قضم » على وزن « فهم » بمعنى مغض الطعام في الفم ، وأحياناً تأتي بمعنى الأكل ، و « مقضم » يطلق على الطعام في الفم .
( 4 ) . « فالفظه » من مادة « لفظ » بمعنى اخراج الطعام من الفم ، ويقال للألفاظ لأنّها تخرج من الفم .