القسم الحادي عشر
فَتَفَهَّمْ يَا بُنَيَّ وَصِيَّتِي ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَالِكَ الْمَوْتِ هُوَ مَالِكُ الْحَيَاةِ ، وَأَنَّ الْخَالِقَ هُوَ الْمُمِيتُ ، وَأَنَّ الْمُفْنِيَ هُوَ الْمُعِيدُ ، وَأَنَّ الْمُبْتَلِيَ هُوَ الْمُعَافِي ، وَأَنَّ الدُّنْيَا لَمْ تَكُنْ لِتَسْتَقِرَّ إِلَّا عَلَى مَا جَعَلَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ النَّعْمَاءِ ، وَالْابْتِلَاءِ ، وَالْجَزَاءِ فِي الْمَعَادِ ، أَوْ مَا شَاءَ مِمَّا لَاتَعْلَمُ ، فَإِنْ أَشْكَلَ عَلَيْكَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَاحْمِلْهُ عَلَى جَهَالَتِكَ ، فَإِنَّكَ أَوَّلُ مَا خُلِقْتَ بِهِ جَاهِلًا ثُمَّ عُلِّمْتَ ، وَمَا أَكْثَرَ مَا تَجْهَلُ مِنَ الْأَمْرِ ، يَتَحَيَّرُ فِيهِ رَأْيُكَ ، وَيَضِلُّ فِيهِ بَصَرُكَ ثُمَّ تُبْصِرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ ! فَاعْتَصِمْ بِالَّذِي خَلَقَكَ وَرَزَقَكَ وَسَوَّاكَ ، وَلْيَكُنْ لَهُ تَعَبُّدُكَ ، وَإِلَيْهِ رَغْبَتُكَ ، وَمِنْهُ شَفَقَتُكَ .
الشرح والتفسير : كلّ شيء من اللَّه
يأمر الإمام عليه السلام بدايةً في هذا المقطع من وصيّته لولده أن يتمعّن فيما يقوله له ويتفهّم ما يرد في هذه الوصيّة ، ويقول : « فَتَفَهَّمْ يَا بُنَيَّ وَصِيَّتِي » .
وهذه الجملة في الحقيقة تشير إلى أهميّة الموضوع الذي سيذكره الإمام عليه السلام لاحقاً حيث يتطلّب من المخاطب تحرّي الدقّة والتدبّر الجاد .
ثمّ يشير الإمام عليه السلام إلى هذه الحقيقة ، وهي أنّ كلّ ما في هذا العالم من حياة وموت ، صحّة وسقم ، حوادث حلوة ومرّة ، نِعم وبلايا و . . . كلّها من عند اللَّه تبارك وتعالى الذي يدبّر الأمور بحكمته البالغة ومشيئته القاهرة ، فلو لم يتعقّل الإنسان الحكمة من بعض الأمور والظواهر في هذا العالم ، فينبغي حملها على قلّة اطّلاعه