حالات العناد والخصومة ، بل ربّما يكون لها أثر عكسي ، ونقرأ في الآية 124 و 125 من سورة التوبة : « وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُون » .
وكما يقول الشاعر :
بَقَدرِ الكدّ تُكتَسَبُ المَعالي * وَمَنْ طَلبَ العُلى سَهَر الليالي
يَغوصُ البحرَ مَنْ طلَب اللئالي * ويحظى بالسّيادةِ والنوالِ
ومَنْ طلبَ العُلى مِنْ غَيرِ كَدٍّ * أضاع العمرَ فِي طلبِ المُحالِ « 1 »
ويستمرّ الإمام عليه السلام في بيان توصياته لولده ويقول : « وَإِنْ لَمْ يَجْتَمِعْ لَكَ مَا تُحِبُّ مِنْ نَفْسِكَ ، وَفَرَاغِ نَظَرِكَ وَفِكْرِكَ ، فَاعْلَمْ أَنَّكَ إِنَّمَا تَخْبِطُ الْعَشْوَاءَ « 2 » ، وَتَتَوَرَّطُ « 3 » الظَّلْمَاءَ وَلَيْسَ طَالِبُ الدِّينِ مَنْ خَبَطَ أَوْ خَلَطَ ، وَالْإِمْسَاكُ عَنْ ذَلِكَ أَمْثَلُ « 4 » » .
فالإمام عليه السلام هنا يحثّ ولده أن يشحذ همّته وإرادته لنيل النتيجة المطلوبة من هذه الوصية ويبتعد مهما أمكن عن تشويش الخاطر والذهن ، ويتحرّك بعزم جادّ وخطوات راسخة نحو الميدان ، ويسلّم قلبه إلى كلام الإمام عليه السلام ليتسنّى له الوصول إلى برّ الأمان ومرفأ السعادة الأبدية من خلال تجسيد هذه الوصايا والمواعظ على أرض الواقع النفسي والسلوكي ، وفي غير هذه الصورة فإنّ الإنسان يتعب نفسه بدون أن يحقّق المقصود وينال بغيته .
* * *
هامش
( 1 ) . مجاني الأدب ، ص 47 .
( 2 ) . « عَشْواء » في الأصل بمعنى الجمل الأعشى وضعيف البصر ، ولهذا يضل الطريق ويتمايل نحو اليمينواليسار ، ثم أطلقت على كل إنسان يسير بهذه الكيفية .
( 3 ) . « تَتَوَرَّطَ » من « التورط » على وزن « توكّل » وتعني السقوط في مكان يصعب الخلاص منه أو يستحيل الخروج منه .
( 4 ) . « أَمْثل » من « المثول » على وزن « طلوع » بمعنى الأفضل والأحسن و « أماثل » و « مُثُل » على وزن « كتب » .