تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الولاية — صفحة 473

مساهمون:

ص٤٧٣
عُلِّمْتَ ، وَمَا أَكْثَرَ مَا تَجْهَلُ مِنَ الْأَمْرِ ، يَتَحَيَّرُ فِيهِ رَأْيُكَ ، وَيَضِلُّ فِيهِ بَصَرُكَ ثُمَّ تُبْصِرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ » . وهذا يعني أنّ الشخص الذي بإمكانه الاعتراض على ما يشكل عليه هو الذي يعلم بجميع الأمور ومطّلع على كافّة التفاصيل ، ويعرف فلسفة جميع الحوادث والغرض منها ، ثمّ يرى أنّ أحد الأمور لا تتوافق مع الحكمة والغرض من الخلقة فيحقّ له أن يفتح فمه بالاعتراض ويضع علامات الاستفهام ، في حين أنّ الإنسان ليس كذلك ، فمعلوماته بالنسبة لمجهولاته كالقطرة بالنسبة للبحر ، فهو في بداية عمره جاء إلى الدنيا ولا يعلم شيئاً ، ثمّ تدريجياً يطّلع على بعض الأمور ويعلم ببعض المسائل ، وما أكثر الأمور التي لا يعلم الحكمة والغرض منها في بداية الأمر ثمّ بعد ذلك تبيّنت له الحكمة من هذا الشيء والغرض من هذه الظاهرة ، فهل يحقّ للإنسان مع هذا العلم المحدود وهذا الكمّ القليل من المعلومات التي يمتلكها ، أن يعترض على بعض الأمور التي لا يعلم الغرض منها ؟ وفي ختام هذا المقطع من الوصيّة يأمر الإمام عليه السلام ولده بالتمسّك بالألطاف الإلهيّة والالتفات إلى الذات المقدّسة ، فإنّه مفتاح للنجاة من كلّ هلكة ، يقول : « فَاعْتَصِمْ بِالَّذِي خَلَقَكَ وَرَزَقَكَ وَسَوَّاكَ ، وَلْيَكُنْ لَهُ تَعَبُّدُكَ ، وَإِلَيْهِ رَغْبَتُكَ ، وَمِنْهُ شَفَقَتُكَ » . هذه التوصيات الأربع القصيرة والزاخرة بالمضمون ، تضمن قطعاً سعادة كلّ إنسان ، فالاعتصام والتمسّك بالألطاف الإلهيّة والتوجّه إليه بالدعاء وطلب الحاجات والخشية من عقابه ، كلّ ذلك يقود الإنسان نحو مرفأ السلامة وساحل النجاة . وقوله : « الَّذِي خَلَقَكَ وَرَزَقَكَ وَسَوَّاكَ » مقتبس من الآيات القرآنية الشريفة : « الَّذِى خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِى قَدَّرَ فَهَدَى * وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى » « 1 » ، فبداية يشير إلى أمر الخلقة ، ثمّ مسألة الرزق ، ثمّ التسوية في عملية الخلق ، وتنظيم أجهزة الإنسان وأعضائه وقواه البدنية والروحية ، في حين أننا نعلم أنّ البداية هو الخلق ثمّ التسوية
هامش
( 1 ) . سورة الأعلى ، الآيات 2 - 4 .