تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الولاية — صفحة 427

مساهمون:

ص٤٢٧
وبما أنّ نفس الإنسان ربّما تتمرّد عليه وتسلك سبيل الطغيان والعصيان ، فالإمام عليه السلام يرشدنا لكيفية كبح جماح هذه النفس ، ويقول في الجملة الخامسة والسادسة : « وَذَلِّلْهُ بِذِكْرِ الْمَوْتِ وَقَرِّرْهُ بِالْفَنَاءِ » ، لأنّ الموت والإقرار بالفناء يعملان على تذليل هذا الجموح ويتعامل الإنسان مع الواقع والحياة من موقع الإذعان والتسليم ، وقد رأينا الكثير من الناس عندما يفقدون عزيزاً لهم في حادثة فجائية ويرون مشاركة الناس من الأقرباء والمعارف في التشييع ويحضرون في مجالس العزاء والمأتم ، فإنّ آثار التذلّل والتسليم بادية على وجوه الجميع ، وربّما يكون لهذه الحالة تأثير مؤقّت ، ولكن على أيّة حال تشير إلى أنّ ذكر الموت والإقرار بالفناء إذا استمر لمدّة طويلة فذلك من شأنه كبح جماح النفس المتمرّدة والسيطرة على نوازعها وشهواتها . وبعد أن طرح الإمام عليه السلام هذه التوصيات في الجمل والعبارات السابقة ، يوصي ولده بأن يتمعّن ويتدبّر في حوادث الدهر والزمان ، ويرى المتغيّرات والتقلّبات التي تطرأ بالليل والنهار : « وَبَصِّرْهُ فَجَائِعَ الدُّنْيَا ، وَحَذِّرْهُ صَوْلَةَ الدَّهْرِ وَفُحْشَ « 1 » تَقَلُّبِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ » . أحياناً تسدل الغفلة ستائرها على قلب الإنسان فيغرق في دوّامة الأهواء والشهوات بحيث لا يدرك الحقائق المتعلّقة بالحياة والسعادة ، ولا يتحرّك في طريق العقل والسلامة ، فمن أجل إزاحة هذه الستائر والحجب وإضاءة زوايا القلب وتنوير العقل ، فلا شيء أفضل من التدبّر في الحوادث المرّة والبلايا المؤلمة للدنيا وكثرة التقلبات الفجائية في الحياة وبالأخصّ ما يراه الإنسان في حياة أصحاب القدرة والسلطة في العالم ، كلّ ذلك من شأنه أن يفتح نوافذ القلب ويعيد إليه بصيرته .
هامش
( 1 ) . « فحش » يقال لكل عمل خرج عن حدّ الاعتدال واتجه نحو القبح ، ولذلك تطلق هذه الكلمة على جميع‌المنكرات والقبائح الفاضحة ، فيقال « فحش » و « فحشاء » ، رغم أنّ هذه المفردة تستخدم في عرفنا المعاصر في مورد الانحرافات الجنسية ( وأحياناً تأتي كلمة فحش بمعناها المصدري وأخرى يراد منها اسم المصدر ) .