وكأنّك قد نسيت أنّك يوم فتح مكة وانتصار المسلمين واستيلائهم على آخر معقل للكفر والشرك ، كنت تحت رحمة سيوف المجاهدين ولم يكن لديك طريق للفرار ، ولذلك أسلمت أنت وأبوك أبو سفيان من موقع التسليم والرضوخ ، وقد منّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله عليكم وجعلكم من الطلقاء ، والآن نصّبت نفسك على كرسي التحكيم بين صحابة النبيّ وجعلت من نفسك عارفاً بدرجاتهم ومكانتهم بين المهاجرين الأوّلين ، والحقيقة أنّ من المخجل جدّاً أن يقوم شخص يملك هو وأسرته مثل هذه السابقة السيّئة ، بالتدخّل بمثل هذه الأمور ويجعل نفسه حكماً في هذا الشؤون .
والواقع ينبغي توجيه حربة النقد إلى الأشخاص الذين جعلوا من معاوية يحتلّهذه المكانة بعد النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله ونسوا سوابقه وجعلوه والياً على مقاطعة كبيرة من البلاد الإسلاميّة ، أجل ، فمعاوية نُصّب والياً على الشام في زمان الخليفة الثاني ويتوجّه اللوم أيضاً إلى المسلمين الذين نسوا سوابق أسرة بني أمية بهذه السرعة والفاصلة الزمنية القليلة ، ورضخوا لحكومتهم ولم ينتفضوا ضدّهم ، كلّ ذلك مع وجود روايات كثيرة عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله مذكورة في المصادر الإسلاميّة المختلفة في ذمّ بني أمية وبالتحديد معاوية ، وبيان الخطر الذي يهدّد الإسلام والامّة الإسلاميّة من حكومتهم .
ثمّ إنّ الإمام عليه السلام يستمرّ في كلامه ويقول من موقع التأكيد : « هَيْهَاتَ لَقَدْ حَنَّ « 1 » قِدْحٌ « 2 » لَيْسَ مِنْهَا ، وَطَفِقَ يَحْكُمُ فِيهَا مَنْ عَلَيْهِ الْحُكْمُ لَهَا » .
وجملة : « حَنَّ قِدْحٌ لَيْسَ مِنْهَا » مثل معروف بين العرب يعود أصله إلى أنّ طائفة من بني الحنان أرادوا أن يلعبوا القمار فيما بينهم ، وهيّأوا لذلك النصال ، وكان نصيب جدّهم منها نصل غير صالح للرمي ، فرمى بنصله من بين تلك النصال ، وكان المقسم للنصال رجل أعمى ، وعندما أصابت الرمية سهم من هذه السهام انتبه من الصوت أنّ
هامش
( 1 ) . « حنّ » من « الحنين » بمعنى اطلاق الصوت بالتأوه من موقع الحزن .
( 2 ) . « قدح » بمعنى السهم قبل أن يكتمل صنع رأسه المدبب .