وفي الجملة الثالثة يقول : صحيح أنّ المهاجرين والأنصار استطاعوا تحقيق النصر والغلبة في مواجهاتهم الحاسمة لقوى الكفر والشرك والوثنية ، وأنّ أعداء الإسلام والمشركين انهزموا من الميدان ، ولكن ذلك يتعلّق بالنبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله والصحابة ، وما أنت وهؤلاء حتّى تتحدّث عن انتصار المسلمين وهزيمة الكفّار بوصفها أحد افتخاراتك !
وجملة : « فَمَا عَلَيْكَ . . . » التي تبتدىء بفاء التفريع ، إشارة إلى هذه الحقيقة ، وهي أنّك امرؤ تعيش التخلّف والتأخّر في مراتب الإسلام حيث أسلمت ظاهراً أنت وأبوك أبو سفيان في آخر لحظات الدعوة الإسلاميّة وانتصار الرسالة على قوى الشرك ، فمن هذا المنطلق فأنت تقع كلياً خارج هذا البحث ولا يمكن أن تجلس للتحكيم بين المهاجرين الأولين وتعيين مراتبهم ودرجاتهم .
وفي الجملة الرابعة والأخيرة يضيف الإمام عليه السلام : « وَإِنَّكَ لَذَهَّابٌ فِي التِّيهِ ، رَوَّاغٌ عَنِ الْقَصْدِ » .
« التيه » في الأصل بمعنى الحيرة ، ثمّ اطلق على الصحراء التي لا يوجد فيها طريق للخروج منها ، بحيث يبقى الإنسان حائراً فيها لا يهتدي سبيلًا ، كما هو الحال في صحراء سيناء في سنوات « تيه » بني إسرائيل حيث بقوا في هذا التيه أربعين سنة .
والإمام عليه السلام في هذه الجملة الأخيرة يرى أنّ مسار معاوية في هذه القضية على خطأ من جهتين : الأولى : أنّه قد أوصل نفسه إلى وادٍ لا يمكن الخروج والنجاة منه وأنّ طريقه ومقصده غير معلوم ، والأخرى : أنّه على فرض وضوح الطريق والمقصد ، فإنّ معاوية لم يختر لنفسه الطريق القويم ، بل انحرف عن هذا المسير وتوغّل في دروب الضلالة والانحراف والتيه .
« روّاغ » صيغة مبالغة من مادة روغ ( على وزن ذوق ) وتعني الحركات الانحرافية التي تقود صاحبها تارة إلى هذه الجهة وأخرى إلى تلك ، فيقال : إنّ الثعلب يتحرّك بمثل هذه الحركة حتى لا يقع في المصيدة ، والإمام يقول لمخاطبه هنا : أنت تتحرّك دوماً من هذه الجهة إلى تلك الجهة من موقع المكر والحيلة ولا تتحرّك أبداً في
نفحات الولاية — صفحة 350
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٣٥٠