عن أنظار الناس ويتمّ التضحية بالمنفعة العامة لصالح المنافع الشخصية غير المشروعة .
وعبارة : « حَيْثُ لَاشَهِيدَ غَيْرُهُ ، وَلَا وَكِيلَ دُونَهُ » ناظرة قطعاً للأشخاص العاديين غير الحاضرين في خلوة الإنسان ، ولكنّ الملائكة المأمورين بكتابة أعمال الإنسان يعيشون معه في كلّ مكان وزمان ويراقبون أعماله وسلوكياته في جميع الأوقات ، والأعلى من الجميع الذات المقدّسة الحاضرة في جميع أرجاء عالم الوجود ولا يخفى عليها شيء من صغائر الأمور وكبائرها .
ثمّ يأمره الإمام عليه السلام بالأمر الثاني ويقول : « وَأَمَرَهُ أَلَّا يَعْمَلَ بِشَيْءٍ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ فِيمَا ظَهَرَ فَيُخَالِفَ إِلَى غَيْرِهِ فِيمَا أَسَرَّ » .
وهذا يعني أنّ الإنسان يجب أن يكون موحَّداً في شخصيته حيث يتطابق ظاهره مع باطنه ، لأنّ اختلاف الظاهر والباطن ، والخلوة والجلوة ، تعتبر مصداقاً بارزاً للنفاق ، والمسلم ينبغي أن يكون بريئاً ونقيّاً من النفاق .
ثمّ يذكر الإمام عليه السلام كلاماً هو بمثابة الدليل على تلك التوصية ويقول : « وَمَنْ لَمْ يَخْتَلِفْ سِرُّهُ وَعَلَانِيَتُهُ ، وَفِعْلُهُ وَمَقَالَتُهُ ، فَقَدْ أَدَّى الْأَمَانَةَ ، وَأَخْلَصَ الْعِبَادَةَ » .
ومفهوم هذا الكلام أنّ الأشخاص الذين يختلف ظاهرهم عن سريرتهم ، ولا تنسجم أقوالهم مع أفعالهم ، هؤلاء خونة وغير مخلصين في طاعة اللَّه ، وهذه هي الحقيقة ، فهل توجد خيانة أفضع من أن يقوم الإنسان بمزاولة أعمال حسنة بقصد الرياء أمام الناس ، ولكنّه عندما يخلو بربّه يسلك سلوكاً آخر ، أو يقول بلسانه كلاماً مهذّباً ويعد الآخرين بوعود جميلة ويتحدّث عن الطهر والتقوى للناس ولكنّه على مستوى العمل والممارسة يتحرّك في خطّ الهوى والانحراف ويتسبّب بالتالي بعدم ثقة الناس بالدّين وإضعاف الإيمان في قلوبهم ؟ ! إنّ مثل هذه الأعمال السيئة مرفوضة ومذمومة من أيّ شخص ، ولكنّها إذا صدرت من المسؤولين والمتولّين لُامور الناس فستكون أقبح وأشنع .
نفحات الولاية — صفحة 292
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٢٩٢