عليّ عليه السلام مرّات عديدة كما في نهجالبلاغةوغيره ، وهذا ليس شأن الإمام عليه السلام فحسب بل المؤمنين العاديين أيضاً لا يخافون الموت ، وخاصّة إذا كان الموت مقترن بالشهادة ، والأشخاص الذين يخافون من الموت إمّا أنّهم لا يؤمنين بالحياة بعد الموت ويتصوّرون أنّ الموت يعني الفناء وزوال كلّ شيء ولذلك يخافون منه ، أو يؤمنون بالحياة بعد الموت لكنّ صحيفة أعمالهم إلى درجة من الظلمة والتلوّث بحيث يعلمون أنّ مصيرهم بعد الموت هو بداية العذاب والألم ، وأمّا الأشخاص الذين يؤمنون بالآخرة ويملكون صحيفة أعمال بيضاء ونقية ، فلا مبرّر لخوفهم من الموت ، بل على حدّ تعبير الإمام عليه السلام في الخطبة 5 من نهجالبلاغة تكون علاقتهم بالموت أشبه بعلاقة الطفل الرضيع بثدي امّه ، أو أكثر : « وَاللَّهِ لَابْنُ أبيطالبٍ آنَس بِالْمَوْتِ مِنَ الطِّفْلِ بِثَدْىِ أُمِّهِ » .
وطبقاً لما ورد في الرواية المشهورة أنّ عبد الرحمن بن ملجم المرادي عندما ضرب الإمام عليه السلام في محراب العبادة على امّ رأسه ، قال الإمام عليه السلام : « فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَة » .
ومع الالتفات إلى أنّ كلمة « قارب » ، كما ورد في لسان العرب وبعض الكتب اللغوية تعني الشخص الذي يبحث عن الماء ليلًا أو الشخص الذي تفصله عن عين الماء مسير ليلة واحدة ، فيستفاد من جملة « كَقارِبٍ وَرَدَ وَطالِبٍ وَجَدَ » الإشارة إلى أنني بالنسبة للموت والشهادة كالضمآن الذي يريد الوصول إلى منهل الماء أسرع ، وقد نلت بغيتي ووجدت ضالّتي التي كنت أنتظرها سنين متمادية .
وما أشدّ التفاوت بين هذا الكلام وكلام المستكبرين الذين يعيشون بعيداً عن اللَّه عزّ وجلّ والآخرة عندما يحين أجلهم ويقعون في شباك الموت ، فنراهم يرتجفون خوفاً ويصرخون هلعاً ويتمنّون العودة إلى الدنيا وهم في حالة الذلّة والمهانة .
يقول السيد الرضي في ختام هذه الرسالة : « قالَ السَّيِّدُ الشَّريفُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ :
أقولُ : وَقَدْ مَضى بَعْضُ هذا الْكَلامُ فيما تَقَدَّمَ مِنَ الْخُطَبِ ، إلّا أنَّ فيهِ هاهُنا زِيادَةٌ أَوْجَبَتْ تَكْريرَهُ » .
نفحات الولاية — صفحة 247
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٢٤٧