وشخصيّته ، بحيث يكون وجوده ملكوتياً وروحانياً بكلّ ما في الكلمة من معنى .
وفي الوصية الثانية يؤكّد الإمام عليه السلام على ضرورة عدم تضييع سنّة النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله ولزوم العمل بجميع ما ورد فيها ، خلافاً للأشخاص الذين يتعاملون مع سنّة النبيّ من موقع الانتقاص ، فيأخذون ببعض ويتركون بعضاً ، فهم في الواقع يخدعون أنفسهم ، مثلًا لا يلتزمون بحكم الجهاد الواجب والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، إلّاأنّهم يقيمون صلاة والليل ويلتزمون بالنوافل ، ولا يتورّعون عن ارتكاب المحرّمات والمنكرات ، ومع ذلك يقيمون العزاء على سيّد الشهداء .
واللافت أنّ الإمام عليه السلام يشبّه هذين الأصلين الأساسيين أحياناً بعمود الخيمة ، وأخرى بأنّهما سراجان يضيئان طريق الحقّ أمام الإنسان ، فالخيمة الصغيرة تحتاج عادة إلى عمود واحد ، ولكن الخيمة الكبيرة ربّما تحتاج إلى أكثر من عمود وعلى كلّ عمود ينصب سراج للإنارة ، وكما يقول البعض أنّ النور يخرج من تلك الأعمدة ، وعلى أية حال فإنّ خيمة الدين لا يمكن إقامتها بدون هذين الأصلين والعمودين ، ولا يمكن إنارة أجواء الحياة المعنوية للإنسان بدون هذين السراجين .
أمّا عبارة : « خَلَاكُمْ ذَمٌّ » وكما ذكرنا في الخطبة 149 من الجزء الخامس أنّ العرب كان يضربون المثل بهذه الجملة ومفهومها ، أنّه لا ذمّ ولا لوم عليكم لأنّكم أدّيتم تكليفكم وأنجزتم وظيفتكم ، يعني أنّكم عملتم بما أوصيتكم به ، فلا إشكال يرد عليكم ، وأمّا القائل الأول لهذه العبارة ولهذا المثل من هو ؟ فقد ذكرنا تفصيل الكلام في الجزء المذكور .
ثمّ إنّ الإمام عليه السلام يتعرّض في القسم الثاني من هذه الخطبة وفي عبارات موجزة وعميقة المعنى ، لبيان سيرة حياته وأنّها تعدّ درساً وعبرة لكم ويقول : « أَنَا بِالْأَمْسِ صَاحِبُكُمْ ، وَالْيَوْمَ عِبْرَةٌ لَكُمْ ، وَغَداً مُفَارِقُكُمْ » .
يعني أنا الذي فتحت خيبر وخضت معركة بدر والأحزاب وكنت في ذلك الوقت رجلًا قوياً أذبّ عن الإسلام والمسلمين ، وأدافع عنكم ، ولكنّ مرور الزمان قد أثّر
نفحات الولاية — صفحة 244
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٢٤٤