الأشخاص الذين يمارسون الصراخ والصياح في ميدان القتال ربّما يتبادر إلى ذهن العدو أنّ ذلك ناشىء من خوفهم ووحشتهم ، وبالتالي يؤدّي ذلك إلى رفع معنويات العدو من جهة ، ومن جهة أخرى ربّما يفضي الصياح إلى استنزاف القوى الجسمية والفكرية لهؤلاء الرجال ويقلّل من قدرتهم على مقاومة العدو ، ولهذا السبب يأمر الإمام عليه السلام بعدم صرف الطاقات في الصياح والصراخ ، والالتفات بشكل كامل إلى مواجهة العدو في ميدان العمل والممارسة .
وطبعاً هذا العمل لا يتنافى مع رفع الأصوات بالتكبير عند تحقّق النصر ، وحتى التكبير ينبغي أن يكون محدوداً ومحسوباً ولا ينبغي الإفراط فيه لأنّ ذلك مخالف لهذا التوصية .
ولهذا السبب ورد في كتب التاريخ عن واقعة بدر أنّ المشركين عندما شاهدوا جيش الإسلام بعددهم القليل في مقابل جيش الكفر والشرك ، تصوّروا أنّ مجموعة من المسلمين تكمن لهم خلف التلال حتى تسنح لهم الفرصة المناسبة ويهجموا على قوى الشرك ، ولذلك أرسلوا عمر بن وهب للتحقّق في هذا الأمر والبحث عن الكمين في نواحي المنطقة ، فتوجّه عمر بن وهب لاستطلاع الموقف ورأى أنّ مواقع جيش الإسلام مستحكمة ورصينة فرجع إلى موقعه وقال لقادة جيش الشرك : إنّ المسلمين ليس لديهم أيّ كمين أو مدد غير الثلّة الحاضرة في الميدان ، ولكنني أظنّ أنّ إبل يثرب المحمّلة ستحمل الموت لكم ، ثم أضاف : « أَمَا تَرَوْنَهُمْ خُرْسٌ لَايَتَكَلَّمُونَ يَتَلَمَّظُونَ تَلَمُّظَ الْأَفَاعِي مَا لَهُمْ مَلْجَأٌ إِلَّا سُيُوفَهُمْ وَمَا أَرَاهُمْ يُوَلُّونَ حَتَّى يُقْتَلُوا وَلَا يُقْتَلُونَ حَتَّى يَقْتُلُوا بِعَدَدِهِمْ فَارْتَئُوا رَأْيَكُم » « 1 » .
ثم يبيّن الإمام عليه السلام في ختام هذا الكلام نقطة أخرى وهي في الواقع تعتبر جواباً عن سؤال مقدّر أو مذكوراً في كلمات أصحابه عندما تصوّروا أنّ معاوية وأتباعه هم
هامش
( 1 ) . بحار الأنوار ، ج 19 ، ص 252 .