المرقم 53 من نهجالبلاغة وهو الكتاب المعروف بعهد مالك الأشتر ، وهنا نشير فقط إشارة موجزة إلى بعض صفاته وخصائصه الكريمة .
يتحدّث ابن أبيالحديد في نهاية هذه الرسالة تحت عنوان « نُبَذٌ مِنَ الأقْوالِ الْحَكيمَةِ » عن بعض المسائل المتعلّقة بالإدارة وتدبير أمور المجتمع ، ونقل في هذا المجال كلمات عن شخصيّات متعدّدة ، ثم قال في ختام كلامه : لقد جمع أمير المؤمنين عليه السلام من أصناف الثناء والمدح ما فرّقه هؤلاء في كلماتهم بكلمة واحدة في الأشتر وهي قوله : « لا يُخَافُ وَهْنُهُ وَلَا سَقْطَتُهُ وَلَا بُطْؤُهُ عَمَّا الْإِسْرَاعُ إِلَيْهِ أَحْزَمُ ، وَلَا إِسْرَاعُهُ إِلَى مَا الْبُطْ ءُ عَنْهُ أَمْثَلُ » .
وفي ذيل هذا الكتاب يقول : وقد روى المحدّثون حديثاً يدلّ على فضيلة عظيمة للأشتر رحمه اللَّه ، وهي شهادة قاطعة من النبيّ بأنّه مؤمن . وذلك عندما كان أبوذرّ في الربذة وقد حان أجله وكانت زوجته قد احتارت في أمر موته وتجهيزه وغسله ودفنه وهيترى نفسها وحيدة في الصحراء القاحلة ، فقال أبو ذر لها : ما يبكيكِ ، فقالت : ما لي لا أبكي وأنت تموت في فلاة من الأرض . . فقال : أبشري ولا تبكي فإنّي سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وآله يقول : « لا يموت بين امرأين مسلمين ولدان أو ثلاثة فيصبران ويحتسبان فيريان النار أبداً » وسمعت أيضاً رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : ليموتن أحدكم بفلاة من الأرض يشهده عصابة من المؤمنين ، وليس من أولئك النفر أحد إلّاوقد مات في قرية وجماعة وأنا لا أشك في ذلك الرجل ، واللَّه ما كذبت ولا كُذبت ، فانظري الطرق .
قالت أم ذرّ : قلت : أنّى وقد ذهب الحاجّ وتقطّعت الطرق ! فقال : اذهبي فتبصّري ، قالت : فكنت أشتدّ إلى الكثيب ، فأصعد فانظر ، ثم أرجع إليه فأمرّضه ، فبينا أنا وهو على هذه الحال إذ أنا برجال على ركابهم كأنّهم الرَّخم تخبّ بهم رواحلهم ، فأسرعوا إليَّ حتّى وقفوا عليَّ وقالوا : يا أمة اللَّه ! ما لكِ ؟ فقلت : امرء من المسلمين يموت تكفّنونه ؟ قالوا : ومن هو ؟ قلت : أبوذرّ ، قالوا : صاحب رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ؟
نفحات الولاية — صفحة 155
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص١٥٥