مع معاوية ، كانوا تحت تأثير عبارة أخرى من كلام الإمام عليه السلام وردت في مورد آخر ، ولكن إذا تمعّنوا في هذه النقطة اللطيفة ، وهي أنّ رسالة الإمام عليه السلام في الواقع جواب على رسالة معاوية له ، وفي تلك الرسالة تحدّث معاوية عن أفضليّة الخلفاء السابقين على الإمام عليه السلام ، لزال هذا التوهّم ، ومن هذا المنطلق يتبيّن أنّ مقصود الإمام عليه السلام هو ما ذكرناه آنفاً .
ثمّ إنّ الإمام عليه السلام يستمرّ في كلامه بالكناية البليغة أيضاً ويقول : « إِلَّا أَنْ يَدَّعِيَ مُدَّعٍ مَا لَاأَعْرِفُهُ ، وَلَا أَظُنُّ اللَّهَ يَعْرِفُهُ » ، أي أن يدّعي أحد بعض الفضائل لهؤلاء لا توجد لديهم في الواقع ولست مطّلعاً عليها ولا أتصوّر أنّ اللَّه تعالى أيضاً مطّلع عليها لأنّها أساساً غير موجودة لديهم .
وهذا يشبه ما ورد في الآية الشريفة 18 من سورة يونس حيث يقول تعالى : « قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَايَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ » ، أي أنّ المشركين الذين يعبدون غير اللَّه تعالى ، ما لا يضرّهم ولا ينفعهم يقولون :
هؤلاء شفعاؤنا عند اللَّه ، فيردّ عليهم القرآن الكريم بأنّ اللَّه تعالى لا يعلم أنّ له مثل هؤلاء الشفعاء ، لا في السماوات ولا في الأرض .
ثمّ إنّ الإمام عليه السلام في خاتمة الرسالة وبعد أن بيّن سوابق أهل البيت ومخالفيهم ، يشكر اللَّه تعالى ويقول : « وَالْحَمْدُ للَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ » .
وجملة : « فَيَا عَجَباً لِلدَّهْرِ » لا تعني أنّ الإمام عليه السلام يعلم بمصائر الناس وبأنّ الدهر يملك تأثيراً في الحوادث الواقعة كما يعتقد الدهريون ، بل مراده من الدهر هنا هو أهل الدهر الذين لم يعرفوا ولم يقدّروا مقام الإمام عليه السلام وما يقتضيه ويفرضه عليهم ، حيث جعلوه قريناً لأشخاص لم يقدّموا أيّ شيء في سبيل الإسلام ولم يكن لديهم أيّ امتياز في تاريخهم ، وعلى هذا الأساس كان عتب الإمام عليه السلام ناظر إلى أهل الزمان والدهر وإن كان الكلام متوجّهاً ظاهراً إلى الدهر نفسه .
وبعبارة أخرى أنّ حسن الدهر وقبحه يتمّ تشخيصه من خلال حسن الناس
نفحات الولاية — صفحة 105
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص١٠٥