مخاطبة العدو بهذا الخطاب ويأمرهم بدلًا من ذلك بنقد أعمالهم القبيحة وصفاتهم الذميمة وإتمام الحجّة عليهم ولتكون أبلغ في التأثير كما تسلب العدو ذريعة المعاملة بالمثل ، ولدينا الكثير بخصوص السبّ واللعن نتركه لمبحث التأملات .
ثم واصل الإمام عليه السلام كلامه من خلال بيان المصداق الواضح ليعلمهم كيفية التعامل مع العدو في مثل هذه الحالات فقال : « وَقُلْتُمْ مَكَانَ سَبِّكُمْ إِيَّاهُمْ : اللهمَّ احْقِنْ « 1 » دِمَاءَنَا وَدِمَاءَهُمْ ، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا وَبَيْنِهِمْ ، وَاهْدِهِمْ مِنْ ضَلَالَتِهِمْ ، حَتَّى يَعْرِفَ الْحَقَّ مَنْ جَهِلَهُ ، وَيَرْعَوِيَ « 2 » عَنِ الْغَيِّ وَالْعُدْوَانِ مَنْ لَهِجَ « 3 » بِهِ » .
فالإمام عليه السلام أورد بهذه العبارة العميقة ثلاثة أدعية أو بعبارة أخرى كانت له ثلاث طلبات :
الأولى : إطفاء نار الحرب وحقن دماء الطرفين .
الثاني : إشاعة الصلح والسلام بالإضافة إلى وقف الحرب وأن يتحد المسلمون .
الثالثة : يبعد عنهم الضلال الذي أصابهم وحال دون بلوغهم الحق ؛ فيتعرّف الجهلة على الحقّ ويكفّ أهل الحق عن مناهضته .
وتكشف هذه الأدعية بجلاء عن مدى سعة صدر الإمام عليه السلام ورأفته ورحمته حتى بأعدائه ، ورغم كلّ تلك الجنايات التي إرتكبوها بحقّ الإمام وأصحابه فلا ينطق بأدنى ما يكشف عن غضبه وانتقامه ، وينهى حتى صحبه عن سبّ العدو والتعرض له .
هامش
( 1 ) . « احقن » من « الحقن » على وزن « الحمد » تعني في الأصل حفظ الشيء وإذا استعملت بشأن الدماء عنت منعإراقة الدماء .
( 2 ) . « يرعوى » من « رعو » على وزن « رعد » بمعنى الامتناع والعودة عن الفعل . جدير ذكره أنّ المفردة « رعو » تستعمل أحياناً بصيغة الرباعي ( رعوى على وزن دعوى ) وتفيد نفس المعنى السابق وقال بعض أرباب اللغة المفردة : « ارعوى » من المفردات النادرة ولم يشاهد مثلها في صيغ الأفعال المعتلة . للمزيد راجع « لسان العرب » مادة « رعو » .
( 3 ) . « لهج » من مادة « لهج » على وزن « هرج » بمعنى التعلق والولع بالشيء والحرص عليه .