مِنْ قَبْرِهِ دَخَلَهُ مِنْ إنْصِرافِهِ عَنْ قَبْرِهِ وَحْشَةً » « 1 » . ثم استنتج عليه السلام عقب ذلك « فَاحْذَرُوا الدُّنْيا » .
ثم أورد ثمان صفات للدنيا ( أو عشرة على قول ) كأدلة دامغة على الحذر من الدنيا فقال : « فَإِنَّهَا غَدَّارَةٌ غَرَّارَةٌ خَدُوعٌ ، مُعْطِيَةٌ مَنُوعٌ ، مُلْبِسَةٌ نَزُوعٌ « 2 » ، لَا يَدُومُ رَخَاؤُهَا ، وَلَايَنْقَضِي عَنَاؤُهَا ، وَلَا يَرْكُدُ « 3 » بَلَاؤُهَا » .
والمفردات « غَدَّارَةٌ غَرَّارَةٌ خَدُوعٌ » وإن كانت متقاربة من حيث المعنى لكنها في الواقع تختلف في الدقّة ؛ غدارة من مادة غدر نقض العهد ، وغرارة من غرور ، الخدوع من خدعة الحيلة وتعلم أنّها متفاوتة وإن كانت غالباً من قبيل اللازم والملزوم ، نعم ، فالدنيا لا تفي لأحد وزخارفها تغرّ العديد من الناس ومختلف مناظرها ومشاهدها خدعة ، العبارة « مُعْطِيَةٌ مَنُوعٌ » تعود لصفة ؛ أيلا تكاد تعطي الإنسان شيئاً حتى تسترده ، فلا يمضي عهد الشباب حتى تحل الكهولة ولا يذوق السلامة حتى تطاله الأمراض .
وذهب بعض الشرّاح إلى أنّ هاتين الصفتين منفصلتان وقال : الدنيا تعطي الأشياء التافهة وتمنع الأشياء القيمة ، فلا قيمة لعطائها ولا يطاق منعها .
كما هنالك تفسيران للعبارة « مُلْبِسَةٌ نَزُوعٌ » : الأوّل : إنّه وصف مفهومه أنّ الدنيا تكسو الإنسان لباساً جميلًا من القدرة والعظمة وتنزعه بعد مدّة قليلة من قبل الآخرين ، أو المراد أنّها تلبس ثياباً تافهة وتنزع ثياباً قيمة والتفسير الأوّل يبدو أصح في كلتا العبارتين .
وهنالك اختلاف واضح بين المفردات ( رَخَاء ) و ( وعناء ) و ( بلاء ) فالرخاء ، الهدوء الذي قلما يحصل في الدنيا ، والعناء ، المتاعب والمصاعب التي تطال دائماً أهلها ،
هامش
( 1 ) . الكافي ، ج 3 ، ص 228 باب زيارة القبور ، ح 4 .
( 2 ) . « نزوع » من مادة « نزع » على وزن « نذر » الفصل .
( 3 ) . « لايركد » من مادة « ركود » السكون وانعدام الحركة .