ثم تناول عليه السلام حال الماضين ببضع عبارات موجزة فقال : « الَّذِينَ احْتَلَبُوا « 1 » دِرَّتَهَا « 2 » ، وَأَصَابُوا غِرَّتَهَا « 3 » ، وَأَفْنَوْا عِدَّتَهَا ، وَأَخْلَقُوا « 4 » جِدَّتَهَا « 5 » . وَأَصْبَحَتْ مَسَاكِنُهُمْ أَجْدَاثاً « 6 » ، وَأَمْوَالُهُمْ مِيرَاثاً . لَا يَعْرِفُونَ مَنْ أَتَاهُمْ ، وَلَا يَحْفِلُونَ « 7 » مَنْ بَكَاهُمْ ، وَلَا يُجِيبُونَ مَنْ دَعَاهُمْ » .
العبارات : « الَّذِينَ احْتَلَبُوا دِرَّتَهَا ، وَأَصَابُوا غِرَّتَهَا . . . » والعبارات . . . إشارة إلى الأشخاص الذين تمتّعوا بجيمع ملذات الدنيا . وكان لبناً في ثدي الدنيا فحلبوه وشربوه إلى آخره واستغلوا كلّ متع الدنيا ولكنهم كأن لم يلبثوا فيها فكانوا طبق العبارة « وَأَصْبَحَتْ مَسَاكِنُهُمْ أَجْدَاثاً » .
ولهذه العبارة القيمة معنيان ؛ الأوّل : انتقلوا من قصورهم إلى القبور ، والآخر : إنّ قصورهم تهدمت عليهم بفعل بعض الحوادث المهوله كالزلزلة فأضحت قبورهم .
وبيّن عليه السلام بالدقة في العبارات الخمس الأخيرة التي تبدأ ب ( أصبحت ) أنّهم اغتربوا عن الدنيا بحيث لم يعودوا يعرفون من يزورهم ويبكيهم من قرابتهم ومعارفهم ولا يسمعون صراخهم .
طبعاً هذا بخصوص أصحاب الدنيا الذين نسوا اللَّه ولم تكن حصيلة أعمارهم سوى التهافت على الدنيا ، أما المؤمنون الصالحون حسب ما ورد في الرواية فيعرفون من يقف على قبورهم ويأنسون بهم ويغتمون لانصرافهم .
قال أحد أصحاب الكاظم عليه السلام إسحاق بن عمار : سألته عن المؤمن يعرف من يزوره في قبره ؟ فقال : « نَعَمْ وَلايَزالُ مُسْتَأْنِساً بِهِ مادامَ عِندَ قَبْرِهِ فَإذا قامَ وَانْصَرَفَ
هامش
( 1 ) . « احتلبوا » من « حلب » على وزن « طرب » و « حلب » على وزن « حرب » بمعنى استخراج الحليب .
( 2 ) . « درّة » اللبن أو الحليب الكثير .
( 3 ) . « غرّة » الغفلة والسهولة .
( 4 ) . « أخلقوا » من مادة « اخلاق » القدم من مادة « خلق » على وزن « ورق » التآكل .
( 5 ) . « جدّة » جديد ولهذه المفردة معنى الاسم .
( 6 ) . « أجداث » جمع « جدث » على وزن « هوس » القبر .
( 7 ) . « لا يحفلون » لا يبالون من مادة « حفل » على وزن « حرب » الاهتمام .