القسم الرابع
مِنْها في صِفَةِ الزُّهّادِ : كانُوا قَوْماً مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا وَلَيْسُوا مِنْ أَهْلِهَا ، فَكَانُوا فِيهَا كَمَنْ لَيْسَ مِنْهَا ، عَمِلُوا فِيهَا بِمَا يُبْصِرُونَ ، وَبَادَرُوا فِيهَا مَا يَحْذَرُونَ ، تَقَلَّبُ أَبْدَانُهُمْ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَهْلِ الْآخِرَةِ ، وَيَرَوْنَ أَهْلَ الدُّنْيَا يُعَظِّمُونَ مَوْتَ أَجْسَادِهِمْ وَهُمْ أَشَدُّ إِعْظَاماً لِمَوْتِ قُلُوبِ أَحْيَائِهِمْ .
الشرح والتفسير : الزهاد الحقيقيون
قال الإمام عليه السلام في الجانب الآخر من هذه الخطبة الذي يشير تعبير السيد الرضي أنّه مستقل عمّا سبق لأنّه يقول ( منها في صفة الزهاد ) . « كانُوا قَوْماً مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا وَلَيْسُوا مِنْ أَهْلِهَا ، فَكَانُوا فِيهَا كَمَنْ لَيْسَ مِنْهَا » .
هذه هي الصفة الأولى من الصفات الخمس التي ذكرها الإمام عليه السلام للزهاد في هذه العبارة . من الواضح أن لا تناقض قط في العبارة ، فالمراد أنّ جسمهم في الدنيا لكن روحهم وقلبهم معلق بالآخرة .
وقد جرب ذلك كلّ شخص في حياته أنّ قلبه حين ينشغل بقضية مهمّة يكون فكره متعلق بموضوع آخر وإن كان وسط أيجماعة ، وتؤدي هذه الصفة إلى اختلاف أعمال الزهاد مع أصحاب الدنيا ، فهؤلاء يجدون في التزود من الدنيا وأولئك في التزود لها ، ودليل ذلك واضح أنّ الزهاد لا يرون الدنيا سوى ممر والحياة الواقعيّة حسب القرآن هي الدار الآخرة « وَإِنَّ الدَّارَ الْاخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ » « 1 » .
هامش
( 1 ) . سورة العنكبوت ، الآية 64 .