حيث أشار عليه السلام في هذه العبارات الموجزة إلى أمر مهم : لديكم خمس فرص ما دمتم في الدنيا : أعمالكم الصالحة ترفع إلى اللَّه ويسعكم أن تغسلوا المعاصي بماء التوبة . ودعاؤكم يسمع عند اللَّه وأنتم وادعون فيمكنكم الإتيان بما تشاؤون من العمل الصالح وأخيراً الملائكة مستنفرون ليكتبوا صالح أعمالكم في صحيفة أعمالكم ، لكن إن مرت هذه الفرصة وكنتم على أعتاب الموت ستسلبون هذه الفرص وليس لكم من زاد سوى الحزن والحسرة .
ثم قال عليه السلام موضحاً كلامه ومكمله : « وَبَادِرُوا بِالْاعْمَالِ عُمُراً نَاكِساً « 1 » ، أَوْ مَرَضاً حَابِساً ، أَوْ مَوْتاً خَالِساً « 2 » » .
فالواقع أنّ الإمام عليه السلام شجّع جميع مخاطبيه للسبق في هذه الأمور الثلاثة ؛ مدّة الكهولة التي تفقد فيها جميع الأعضاء قوّتها وقدرتها والتي أسماها القرآن الكريم « أرذل العمر » والأمراض التي تطول أحياناً وتسلب الإنسان نشاطه وحيويته فلا يقدر على الإتيان بالعبادات بصورة تامة ولا خدمة المؤمنين وقضاء حوائجهم ، والموت الذي شبّهه عليه السلام بالسارق الذي يسرق كلّ شيء من الإنسان خلسة .
ثم وضع حقيقة الموت من خلال ذكره لستّ من خصائصه ، الموت الذي لا مهرب منه ولا مفر لأحد من ملاقاته فقال : « فَإِنَّ الْمَوْتَ هَادِمُ لَذَّاتِكُمْ ، وَمُكَدِّرُ شَهَوَاتِكُمْ ، وَمُبَاعِدُ طِيَّاتِكُمْ « 3 » . زَائِرٌ غَيْرُ مَحْبُوب ، وَقِرْنٌ « 4 » غَيْرُ مَغْلُوب ، وَوَاتِرٌ « 5 » غَيْرُ مَطْلُوب » .
هامش
( 1 ) . « ناكس » من مادة « نكس » على وزن « حدس » قلب الشيء .
( 2 ) . « خالس » الخاطف من مادة « خلس » على وزن « فلس » خطف الشيء بالحيلة والاختلاس بهذا المعنى .
( 3 ) . « طيّات » جمع « طيّة » الجانب والجهة والهدف . من مادة « طيّ » على وزن « حيّ » الجمع والترتيب وتستعمل أحياناً بمعنى العبور وطي الطريق .
( 4 ) . « قرن » الكفؤ في الشجاعة .
( 5 ) . « واتر » الجاني من مادة « وتر » على وزن « سفر » رامي السهم .