كما عانى خواص أهلالبيت عليهم السلام في العصور اللاحقة بمضمون المثل المعروف « الْبَلاءُ لِلْوِلاءِ » من هذا الفقر المفروض واستمر ذلك حتى عصرنا الحاضر ، وهذا الفقر ليس بعيداً عن العيب فحسب ، بل هو فخر ، والعيب أن يتخلى الإنسان عن الوظيفة من أجل الدنيا والاستسلام للعدو .
وإلى ذلك أشار الحديث الشريف « مَنْ أَحَبَّنا أهْلَ الْبَيْتِ فَلْيُعدَّ لِلْفَقْرِ جِلْباباً » « 1 » .
وعليه فالفقر الحاصل من الكسل والهروب من العمل أو سوء الإدارة ليس مطلوباً للإنسان قطّ .
ويشير كلام الإمام عليه السلام في هذا الدعاء إلى أنّ سلسلة من الرذائل الأخلاقيّة التي يفرزها الفقر بمعنى العوز والحاجة ، فالتواضع للأشرار ومدح وذم من لا يستحق ، لمن تلك الرذائل الأخلاقيّة التي تنشأ من الفقر بمعنى العوز .
الجملة « لا تَبْذُلْ جاهي بِالْاقْتارِ » دليل على أنّ الفقر الفردي يزيل ماء وجه الإنسان ، والفقر الاجتماعي يزيل ماء وجه المجتمع وهذا ما لا ينسجم أبداً والعزة الناشئة من الإيمان : « وَللَّه الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ » « 2 » .
قال أمير المؤمنين علي عليه السلام : « يا بُنَيَّ الْفَقيرُ حَقيرٌ لايُسْمَعُ كَلامُهُ وَلا يُعْرَفُ مَقامُهُ لَوْ كانَ الْفَقيرُ صادِقاً يُسَمُّونَهُ كاذِباً وَلَوْ كانَ زاهِداً يُسَمُّونَهُ جاهِلًا » .
ثم أضاف عليه السلام : « يا بُنَيَّ مَنِ ابْتُلِيَ بِالْفَقرِ ابْتُلِيَ بِأَرْبَعِ خِصالٍ : بِالضَّعْفِ في يَقينِهِ وَالنُّقْصانِ في عَقلِهِ وَالرِّقَّةِ في دينِهِ وَقِلَّةِ الْحَياءِ في وَجْهِهِ ، فَنَعُوذُ بِاللَّه مِنَ الْفَقْرِ » « 3 » .
وإننا لنرى اليوم بأم أعيننا أنّ الفقر مصدر ما لا يحصى من المفاسد كالابتلاء بالمخدرات والفحشاء والخيانة والسرقة وخدمة الأجانب وما شابه ذلك ، ومن هنا ورد عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال : « غِنىً يَحْجُزُك عَنِ الظُّلمِ خَيرٌ مِنْ فَقْرٍ يَحْمِلُك
هامش
( 1 ) . بحار الأنوار ، ج 46 ، ص 36 .
( 2 ) . سورة المنافقون ، الآية 8 .
( 3 ) . بحار الأنوار ، ج 69 ، ص 47 ، ح 58 ، من باب فضل الفقر والفقراء .