تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الولاية — صفحة 278

مساهمون:

ص٢٧٨
عذر وعملك يدل على أنّك لم تعرف نفسك . ومن هنا يتضح خطأ من ذهب إلى أنّ صفة الكريم في الآية لتلقين المخاطب بأن يقول في الجواب : « غرّني كرمك » ، بل يريد أن يقول بالعكس رغم كلّ هذا الكرم واللطف مع كلّ هذا العصيان المخجل الذي يفتقر إلى العذر والحجّة ، لذلك ورد في الحديث النبوي أنّ النّبي الأكرم صلى الله عليه وآله لما تلا الآية قال : « غرّهُ جَهلُهُ » « 1 » . ثم خاض الإمام عليه السلام في شرح هذا الكلام ليسلط بهذه العبارات سوط ملامته وتوبيخه على جسد أرواحهم الهامدة علّهم يفيقون ويعودوا عن غيهم فقال : « يَا أَيُّهَا الْانْسَانُ ، مَا جَرَّأَك عَلَى ذَنْبِك ، وَمَا غَرَّك بِرَبِّك ، وَمَا أَنَّسَك بِهَلَكَةِ نَفْسِك ؟ » . إشارة إلى أنّ غريزة حبّ الذات في الإنسان أقوى الغرائز ؛ فالإنسان بصورة طبيعية يحب نفسه أكثر من أي شخص آخر وإذا رأينا شخصاً يطعن صدره وعضده لذهلنا وتساءلنا مع أنفسنا : هل أصيب بالجنون ، أو يرغب شخص عاقل بهلاك نفسه ؟ فإن لم تكن للإنسان أدنى رغبة بهلاك نفسه فلم يتقبل الغرور والذنب والمعصية التي تؤدي إلى هلاكه ؟ ! ثم قال عليه السلام : « أَمَا مِنْ دَائِك بُلُولٌ « 2 » ، أَمْ لَيْسَ مِنْ نَوْمَتِك يَقَظَةٌ ؟ أَمَا تَرْحَمُ مِنْ نَفْسِك مَا تَرْحَمُ مِنْ غَيْرِك ؟ » . ثم أوضح هذه الحقيقة بذكر مثال فقال : « فَلَرُبَّمَا تَرَى الضَّاحِيَ « 3 » مِنْ حَرِّ الشَّمْسِ فَتُظِلُّهُ ، أَوْ تَرَى الْمُبْتَلِي بِأَلَمٍ يُمِضُّ « 4 » جَسَدَهُ فَتَبْكِي رَحْمَةً لَهُ ! فَمَا صَبَّرَك عَلَى دَائِك ، وَجَلَّدَك « 5 » عَلَى مُصَابِك ، وَعَزَّاك عَنِ الْبُكَاءِ عَلَى نَفْسِك وَهِيَ أَعَزُّ الأَنْفُسِ عَلَيْك ! » . إشارة إلى ما نراه من تناقض في فعل الآخرين وازدواج في أحكامهم فهم يبدون
هامش
( 1 ) . تفسير مجمع البيان ، ذيل الآية 6 من سورة الانفطار . ( 2 ) . « البلول » التحسن من المرض كما وردت بمعنى الغنى والنشاط . ( 3 ) . « الضاحي » الشخص المعرض لضوء الشمس ، من مادة « ضحو » على وزن « محو » التعرض لأشعة الشمس‌ويقال « ضحى » حين تتسع أشعة الشمس على الأرض . ( 4 ) . « يمضّ » من مادة « مضّ » على وزن « حضّ » يؤلم . ( 5 ) . « الجلد » من مادة « جلد » على وزن « بلد » القوّة أو التحمل .