إشارة إلى أنّ العاديين من الأفراد حين يقفون بين يدي الجبابرة يخفون شخصيتهم الحقيقية ويتحفظون عن كلّ نقد وشكوى واعتراض حذراً من أن يغضبوا عليهم ، ويسعون بالعكس إلى الأمن من شرّهم بالمدح والثناء والتملق ، ومن هنا فلا تتضح لهم قط الحوادث الحقيقية في المجتمع فيغطون في وادي الضلالة والجهل .
يطمئن الإمام عليه السلام كلّ مخاطبيه بضرورة بثّ ما لديهم من شكوى ومشكلة فهم أحرار في ما يقولون بشأن الحكومة والمجتمع .
نعم فهذه إحدى الفوارق البارزة بين حكام العدل والجور ، ورد في « العقد الفريد » : وقام رجل إلى هارون الرشيد ، وهو يخطب بمكة ، فقال : « كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّه أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ » « 1 » . فأمر به فضرب مائة سوط ، فكان يئن الليل كله ويقول :
الموت ! الموت ! فأخبر هارون أنّه رجل صالح ، فأرسل إليه واستحلّه فأحلّه « 2 » .
وجاء في نفس هذا الكتاب أيضاً : جلس الوليد بن عبد الملك على المنبر يوم الجمعة حتى اصفرت الشمس ، فقام إليه رجل فقال : . . . ، إنّ الوقت لا ينتظرك ، وإنّ الربّ لا يعذرك ، قال : صدقت : ومن قال مثل مقالتك ، فلا ينبغي له أن يقوم مثل مقامك ، من هاهنا من أقرب الحرس يقوم إليه فيضرب عنقه « 3 » .
بينما رأينا مراراً في سيرة أمير المؤمنين عليه السلام أنّ عدداً من المنافقين تفوهوا بأسوأ الكلمات بحضرته كالأشعث بن قيس وبعض الخوارج ، فلم يتعرّض لهم قط .
ثم قال مواصلًا ذلك الكلام : « وَلَا تَظُنُّوا بِيَ اسْتِثْقَالًا فِي حَقٍّ قِيلَ لِي ، وَلَا الِتمَاسَ إِعْظَامٍ لِنَفْسِي ، فَإِنَّهُ مَنِ اسْتَثْقَلَ الْحَقَّ أَنْ يُقَالَ لَهُ أَو الْعَدْلَ أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ ، كَانَ الْعَمَلُ بِهِمَا أَثْقَلَ عَلَيْهِ » .
إشارة إلى أنّ الذين لا يطيقون سماع الانتقاد أعجز عن ممارسة الإصلاح ، ومن هنا يوغلون كلّ يوم في مزيد من الظلم والفساد ، وشجع الإمام عليه السلام في تأكيد هذا
هامش
( 1 ) . سورة يوسف ، الآية 3 .
( 2 ) . العقدالفريد ، ج 1 ، ص 53 ، ( طبق نقل شرح نهج البلاغة للمرحوم التستري ، ج 6 ، ص 447 و 448 ) .
( 3 ) . المصدر السابق .