تدبير مفعم بالورع والتقوى ، وبالتالي فهي سياسة رحمانيّة ، وفي الواقع تتفاوت السياستين وتبعاً لذلك تتفاوت نتائجهما .
والسياسة بالمعنى الأوّل لا تعرف من حد خلقي وديني وإنساني ووجداني ، وتقضي على كلّ قانون أو مبدأ أو ضابطة تشكل خطراً عليها ، على غرار ما نلاحظه اليوم في عالم السياسة الذي يحكم الشرق والغرب .
أمّا الصنف الثاني فتخضع فيه السياسة لأطر معينة حدودها القيم والمثل الدينيّة والإنسانيّة والوجدان والضمير ؛ فهي لا تعتمد الظلم والجور والمعصية قط سيما تجاه العزل من الأفراد الأبرياء ؛ ولا تسمح بالغدر والخيانة والفجور ونقض العهود والمواثيق ، وترفض التسلط والتوسع وبالتالي ترى وجود بعض الخطوط الحمراء التي لا يمكن تجاوزها .
ومن هنا أشار الإمام عليه السلام في مواصلته لكلامه إلى أولئك الأفراد الذين انتهجوا الغدر والفجور ليعتمدوهما كوسيلة لسياساتهم فقال :
« ولكِنْ كُلُّ غُدَرَة فُجَرَةٌ ، وكُلُّ فُجَرَة كُفَرَةٌ . ( ولِكُلِّ غَادِر لِوَاءٌ يُعْرَفُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) » .
والعبارة :
« ولِكُلِّ غَادِر لِوَاءٌ . . . »
حديث معروف عن النّبي الأكرم صلى الله عليه وآله روته أغلب المصادر ، ومنها : الشوكاني في نيل الأوطار ، والبخاري في صحيحه ، وقال الشوكاني :
متفق عليه « 1 » .
ثم قال عليه السلام في اختتامه لهذا الكلام وحتى لا يتصور أحد أنّ الإمام عليه السلام بما هو عليه من نقاء القلب تنطوي عليه سياسة الغدر والمكر :
« واللَّهِ مَا أُسْتَغْفَلُ بِالْمَكِيدَةِ ، ولَا أُسْتَغْمَزُ « 2 » بِالشَّدِيدَةِ » .
وهذا الكلام في الواقع رد على أولئك الذين يزعمون أنّه لا يمكن مواجهة أولئك الفجرة سوى من قبل أمثالهم وليس أمام الفرد المتدين سوى الوقوع في مخالبهم ،
هامش
( 1 ) . نيل الأوطار ، ج 8 ، ص 79 ؛ وصحيح البخاري ، ج 8 ، ص 62 ( كتاب الحيل ) .
( 2 ) . « استغمز » من مادة « غمز » على وزن « رمز » بمعنى الإضعاف وأيضاً بمعنى الضغط والكلام البذيء والمراد هنا هو المعنى الأوّل .