وضمانه الهدى لسالكي هذا الطريق ، فلا يضل من سلك ولا تخفى علاماته على من سار عليه كما لا تغيب عنهم منازله الآمنة .
ثم أشار عليه السلام في مواصلته لذكر هذه الصفات الرفيعة للقرآن إلى خمس صفات أخرى فقال :
« جَعَلَهُ اللَّهُ رِيَّاً « 1 » لِعَطَشِ الْعُلَمَاءِ ، ورَبِيعاً لِقُلُوبِ الْفُقَهَاءِ ، ومَحَاجَّ « 2 » لِطُرُقِ
الصُّلَحَاءِ ، ودَوَاءً لَيْسَ بَعْدَهُ دَاءٌ ، ونُوراً لَيْسَ مَعَهُ ظُلْمَةٌ » .
والعبارة الأُولى :
« جَعَلَهُ اللَّهُ رِيَّاً لِعَطَشِ الْعُلَمَاءِ »
إشارة إلى أنّ كلّ عالم أكثر تعطشاً للعلم ، ذلك لأنّه ذاق طعم العلم والمعرفة ، وبما أنّ علوم القرآن الكريم ومعارفه غاية في السعة وليست محدودة فإنّ العلماء يستطيعون ري عطشهم العلمي بالقرآن .
جاء في الكلمات القصار للإمام عليه السلام في نهجالبلاغة :
« مَنْهُومانِ لا يَشْبَعانِ ؛ طالِبُ عِلْم وطالِبُ دُنْيا » « 3 » .
والعبارة الثانية :
« ورَبِيعاً لِقُلُوبِ الْفُقَهَاءِ »
إشارة إلى أنّ عالم الطبيعة يستأنف حياته في فصل الربيع ، فتظهر النباتات والأزهار والثمار ، وللقرآن مثل هذا الأثر في القلوب الواعية ، فأزهار الفضيلة وثمار الإيمان اللذيذة والأخلاق والمعرفة وبالتالي القرب الإلهي إنّما يتيسر في ظلّ القرآن الكريم .
واعتبر القرآن في العبارة الثالثة جادة واسعة وواضحة لسالكي الحقّ ، لأنّ الصلحاء هم أولئك الذين يحثون الخطى في السير والسلوك إلى اللَّه وأنّ أفضل جادة وطريق يُمكّنهم من بلوغ المقصد هي جادة القرآن الكريم .
وأشار في العبارة الرابعة إلى نقطة جديدة وهي أنّ الأدوية قد يكون لها أحياناً تأثير في التسكين فقط ، كما تكون أحياناً أخرى علاجاً مؤقتاً وثالثة علاجاً تاماً ،
هامش
( 1 ) . « رىّ » ( بكسر الراء وفتحه ) بمعنى الارتواء .
( 2 ) . « محاجّ » جمع « محجّة » بمعنى الطريق الواسع والواضح .
( 3 ) . نهج البلاغة ، الكلمات القصار ، الكلمة 457 .