ثم تطرق الإمام عليه السلام إلى بيان صفة أخرى من صفات المتّقين ذات الصلة بالتربية وتهذيب النفس فقال :
« انِ اسْتَصْعَبَتْ « 1 » عَلَيْهِ نَفْسُهُ فِيمَا تَكْرَهُ لَمْ يُعْطِهَا سُؤْلَهَا فِيمَا
تُحِبُّ » .
هذا في الواقع أحد مراحل السلوك إلى اللَّه والذي يصطلح عليه بمرحلة « المعاقبة » التي تأتي بعد مراحل « المشارطة » و « المراقبة » و « المحاسبة » أي يشترط على نفسه منذ الصباح حين ينطلق في يومه الجديد على عدم مقارفة أي ذنب ، ثم يعيش المراقبة طيلة يومه ومن ثم يتفرغ ليلًا لحساب ما أتى به من عمل في النهار ، فإنّ ظفر بمخالفة هب لمعاقبة نفسه كأن يمنع نفسه ما ترغب فيه ، مثلًا يحرم نفسه من الطعام اللذيذ والفراش المريح والنوم الكافي وما شاكل ذلك ليؤدب نفسه الجامحة فتعيش طاعة اللَّه في الأيّام القادمة ، وهذا البرنامج مؤثر وعملي لتهذيب النفس وبالطبع أنّ كلّ من داوم عليه سيلمس آثاره وبركاته بعد مدّة ليست طويلة .
ثم أشار إلى أربع صفات مهمّة أخرى فقال :
« قُرَّةُ عَيْنِهِ فِيمَا لَايَزُولُ ، وزَهَادَتُهُ فِيمَا لَايَبْقَى ، يَمْزُجُ الْحِلْمَ بِالْعِلْمِ ، والْقَوْلَ بِالْعَمَلِ » .
والعبارة
« قُرَّةُ عَيْنِهِ »
بالنظر إلى أنّ « قرّة » من مادة « قرّ » ( على وزن حرّ ) تعني في الأصل البرودة والعرب تعتقد أنّ دموع الشوق باردة دائماً ودموع الحزن حارة ومحرقة ، فإنّ هذه العبارة تقال حيث السرور والفرح ، وعليه فمفهوم العبارة المذكورة أنّ عين المتّقين مسرورة بعالم الآخرة ، ذلك لأنّه عالم خالد ودائم ، كما قال القرآن عن أصحاب الجنّة : « خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّموَاتُ وَالأَرْضُ » « 2 » وقال أيضاً :
« فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُمْ مِّنْ قُرَّةِ أَعْيُن جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ » . « 3 » وبالنظر إلى أنّه وحسب ما ورد في الأقسام السابقة من الخطبة فإنّ هؤلاء يرون بأعينهم في هذه
هامش
( 1 ) . « استصعب » من « صعوبة » مأخوذة من « استصعاب » بمعنى التصعيب وعدم الخضوع .
( 2 ) . سورة هود ، الآية 107 .
( 3 ) . سورة السجدة ، الآية 17 .