أضف إلى ذلك فالطمع يعطل الفكر والعقل ويعرض الإنسان للتذبذب والحيرة ، كما قال عليه السلام في إحدى كلماته القصار :
« أكْثَرُ مَصارِعِ الْعُقُولِ تَحْتَ بُرُوقِ الْمَطامِعِ » « 1 » .
ثم تطرق عليه السلام إلى ثلاث صفات أخرى من صفات المتّقين فقال :
« يَعْمَلُ الأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ وهُو عَلَى وَجَل « 2 » . يُمْسِي وهَمُّهُ الشُّكْرُ ، ويُصْبِحُ وَهَمُّهُ الذِّكْرُ » .
نعم ! فلو أتى أولياء اللَّه بكلّ الأعمال الصالحة لظلوا يخشون عدم أدائهم حقّ العبودية للَّهوالتقصير في امتثال التكليف ، كما ورد في الحديث الشريف عن الحارث بن المغيرة أو أبيه ، عن الإمام الصادق عليه السلام قال : قلت له : ما كان في وصيّة لقمان ؟
قال عليه السلام :
« كَانَ فِيها الأعاجِيب وَكانَ أَعجَبُ مَا كَانَ فِيها أنْ قَالَ لإبنِهِ : خِفِّ اللَّهَ عَز وَجَلَّ خِيفَةً لَو جِئتَهُ بِبرّ الثّقَلَينِ لَعَذَّبَكَ ، وَارجُ اللَّهَ رجَاءً لَو جِئتَهُ بِذُبُوبِ الثّقَلَينِ لَرَحِمَكَ . . . » « 3 » .
وللقرآن الكريم تعابير مختلفة ورائعة بهذا الخصوص في وصفه للسابقين في الخيرات : « وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا أتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ » « 4 » .
والعبارة :
« يُمْسِي وهَمُّهُ الشُّكْرُ ، ويُصْبِحُ وَهَمُّهُ الذِّكْرُ »
إشارة إلى أنّ هؤلاء يبتدئون يومهم الذي يستأنفون فيه العمل والنشاط باسم اللَّه وفي آخر اليوم حيث انفتحوا على تلك النعم الإلهيّة واستغلوها في مرضات اللَّه فيندفعون في الحمد والشكر ، بالضبط كالجلوس على مائدة الطعام ، فهم يشرعون بتناول الطعام باسم اللَّه وينتهون بشكره حين يرفعون أيديهم عن الطعام ، رغم ما ذهب إليه بعض الشرّاح « 5 » أنّ الاختلاف في التعبير من باب التنوع في العبارة والمراد أنّهم ذاكرون وشاكرون في الصباح والمساء وفي جميع الأحوال ، إلّاأنّ الأنسب ما ذكرناه .
وقد وردت عبارات عميقة المعنى في الآيات والروايات بشأن أهميّة ذكر اللَّه .
هامش
( 1 ) . نهج البلاغة ، الكلمات القصار ، الكلمة 219 .
( 2 ) . « وجل » بمعنى الخوف و « وَجِل » على وزن « خجل » بمعنى الشخص الخائف .
( 3 ) . الكافي ، ج 2 ، ص 67 ، كتاب الإيمان والكفر ، باب الخوف والرجاء ، ح 1 .
( 4 ) . سورة المؤمنون ، الآية 60 .
( 5 ) . في ظلال نهجالبلاغة ، ج 3 ، ص 169 .