بعيد عن كل شيء ليس بمعنى المسافة والانفصال عن الأشياء ، بل بمعنى سمو ورفعة وجوده وصفاته بالنسبة لسائر الأشياء . وهذا يشبه ما ورد في الخطبة الأُولى من نهج البلاغة :
« مَعَ كُلِّ شَيءٍ لْابِمُقارِنَةٍ وَغَيْرُ كُلِّ شَيءٍ لْابِمُزايَلَةٍ »
. لا شك أنّه يستحيل جمع هذه الصفات في الممكنات ؛ ذلك أنّ الشيء إن بعد فلا يسعه الاقتراب ، وإن اقترب فلا يمكنه الابتعاد ، ولكن ليس هنالك من معنى لتضاد القرب والبعد وأمثال ذلك في ذات واجب الوجود المطلق .
ثم تطرق عليه السلام إلى موضوع علم اللَّه تعالى بكل شيء وفي كل زمان ومكان من خلال عبارات رائعة عميقة المعنى فقال :
« وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ عِبَادِهِ شُخُوصُ « 1 »
لَحْظَةٍ ، وَلَا كُرُورُ لَفْظَةٍ ، وَلَا ازْدِلَافُ « 2 » رَبْوَةٍ « 3 » ، وَلَا انْبِسَاطُ خُطْوَةٍ ، فِي لَيْلٍ دَاجٍ « 4 » ، وَلَا
غَسَقٍ « 5 » سَاجٍ « 6 » »
. فالإمام عليه السلام بغية تشخيص عدم خروج أخفى الأشياء عن علم اللَّه يفترض مسافراً مرّ في ليلة ظلماء بصحراء وقد صوب بصره إلى الصحراء وينبس ببعض الكلمات ، يقترب من التلال والمرتفعات ويتسلقها بسرعة ليبلغ غايته وهو يشق طريقه في تلك الظلمة المعتمة ، فاللَّه تعالى الذي لا يخفى عليه شيء من حركات عيون وشفاه وأقدام هذا المسافر لهو أعلم بأعمال عباده وهم يأتون بها في وضح النهار وفي المدن والبلدان .
ثم قال في وصف هذه اليلة الظلماء :
« يَتَفَيَّأُ « 7 » عَلَيْهِ الْقَمَرُ الْمُنِيرُ ، وَتَعْقُبُهُ الشَّمْسُ
ذَاتُ النُّورِ فِي الْأُفُولِ وَالْكُرُورِ « 8 » »
. إشارة إلى أنّ علم اللَّه بالموجودات وأعمال
هامش
( 1 ) . « شخوص » بمعنى التركيز في النظر على الشيء
( 2 ) . « ازدلاف » بمعنى الاقتراب والصعود من نقطة مرتفعة ، ويقال ( المزدلفة ) للمشعر الحرام لاقتراب الناسهناك من منى أو اقترابهم من اللَّه بهذه العبادة
( 3 ) . « ربوة » الموضع المرتفع
( 4 ) . « داج » من مادة ( دجو ) على وزن علو ، المظلم ، وليل داج ، اليلة المظلمة الخالية من القمر
( 5 ) . « غسق » شدة الظلمة ، وتطلق هذه المفردة على منتصف الليل لشدّة ظلمته
( 6 ) . « ساج » الساكن ، والمراد من الغسق الساج ، الظلام الطويل والمستمر
( 7 ) . « يتفيأ » من مادة ( فيئ ) على وزن غيب ، العودة ، وتفيأ بمعنى ، الإنتقال والذهاب والإياب
( 8 ) . « كرور » له معنى مصدري ، الرجوع