قال القرآن الكريم : « هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ » « 1 » .
ثم قال عليه السلام :
« خَرَّتْ لَهُ الْجِبَاهُ ، وَوَحَّدَتْهُ الشِّفَاهُ »
. ومن المسلَّم به أنّ خالق جميع الأشياء والمخلوقات والنعم والذي يستمد الوجود بأسره ، الوجود منه فهو أهلٌ للعبادة والسجود والحمد وليس لأحد غيره هذا المقام . وبالطبع فإنّ ذلك السجود والحمد يختص بالعارفين باللَّه لا الكفّار والمشركين الذين لا يستحقون الذكر .
ثم واصل كلامه بالإشارة إلى بعض الصفات السلبية المنزهة من كل نقص فقال :
« حَدَّ الْأَشْيَاءَ عِنْدَ خَلْقِهِ لَهَا إِبَانَةً لَهُ مِنْ شَبَهِهَا »
. إشارة إلى أنّ جميع المخلوقات محدودة وذاته المقدّسة فقط لا تعرف الحدود ، ومن هنا ليست هنالك من صعوبة في تمييز الخالق من المخلوق والابتعاد عن السقوط في مستنقع الشرك . وهنا يرد هذا السؤال : أفيمكن أن يخلق اللَّه شيئاً غير محدود أو بعبارة أخرى ، واجب الوجود ؟ أنّ ذات كل مخلوق تقتضي كونه محدوداً ، ومن هنا كيف يقال إنّ اللَّه خلق الأشياء المحدودة حتى لا تشبه ذاته ؟
والجواب عن هذا السؤال : إنّ المراد من
« حَدَّ الْأَشْيَاءَ عِنْدَ خَلْقِهِ لَهَا . . . »
تمييزه عن المخلوقات ؛ بعبارة أخرى ، فإنّ
« إِبَانَةً لَهُ »
ليست مفعولًا لأجله ، بل نتيجته وغاية الفعل . والمسألة الأخرى الجديرة بالإلتفات أنّ أغلب نسخ نهج البلاغة نقلت العبارة
« إبانة لها »
وفي هذه الحالة لا يرد أي غموض وإبهام ؛ حيث مفهوم العبارة أنّ اللَّه حدّ الأشياء عند خلقها أي جعل لكل موجود حدود معينة تميزه من الأخرى ، من قبيل ما ورد في الآية 13 من سورة الحجرات : « يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا » « 2 » .
ثم أسهب عليه السلام في شرح مطلقية ذات اللَّه المقدّسة ليكشف عمق هذه الحقيقة
هامش
( 1 ) . سورة الحديد ، الآية 3
( 2 ) . وردت هذه العبارة ضمن خطبة أخرى وبصيغة أخرى في أصول الكافي والتي تدعم التفسير الأول وهي « حَدَّ الْأَشْيَاءَ عِنْدَ خَلْقِهِ لَهَا إِبَانَةً لَهُ مِنْ شَبَهِهَ ، وإِبَانَةً لَهُ مِنْ شَبَهِهَا » ( أصول الكافي ، ج 1 ، ص 135 )