أجل ، فالإنسان الذي لا يتحمل الوحدة لساعة ويعيش دائماً بين صحبه وقرابته وأهله ، لا يكاد يغمض عينيه عن هذه الدنيا حتى يفارق الجميع وإلى الأبد فينزل حفرة مظلمة ومرعبة في وحدة وغربة مطلقة ، فيالها من غربة أليمة صعبة ، اللّهم إلّا أن يظفر بأصحاب جدد من أعماله الصالحة فتجعل الملائكة قبره روضة من رياض الجنّة ، لا حفرة من حفر النار .
قال الإمام الصادق عليه السلام
« إنَّ لِلقَبْرِ كَلاماً فِي كُلِّ يَومٍ يَقُولُ : أَنا بَيْتُ الغُربَةِ ، أَنْا بَيْتُ الوَحشَةِ ، أَنا بَيْتُ الدُّودَ ، أَنا القَبْرِ ، أَنا رَوضَةٌ مِنْ رِياضِ الجَنَّةِ أَو حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ » « 1 » .
وأخيراً ما أن يفرغ الإمام عليه السلام من بيان الموت والقبر حتى يتجه صوب القيامة ومحكمة العدل الإلهي ليحذر الجميع قائلًا :
« وَكَأَنَّ الصَّيْحَةَ قَدْ أَتَتْكُمْ ، وَالسَّاعَةَ قَدْ غَشِيَتْكُمْ ، وَبَرَزْتُمْ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ ، قَدْ زَاحَتْ عَنْكُمُ الْأَبَاطِيلُ ، وَاضْمَحَلَّتْ عَنْكُمُ الْعِلَلُ ، وَاسْتَحَقَّتْ بِكُمُ الْحَقَايِقُ ، وَصَدَرَتْ بِكُمُ الْأُمُورُ مَصَادِرَهَا »
. « وَكَأَنَّ الصَّيْحَةَ »
، في العبارة ، إشارة إلى صيحة القيامة التي توقظ جميع الموتى وتنشرهم من قبورهم وتدفعهم إلى الحساب . يستفاد من الآيات والروايات أنّ العالم ينتهي بصيحة عظيمة يقال لها نفخة الصور الأُولى ، ثم تتبعها صيحة عظيمة أخرى تدعى نفخة الصور الثانية ، وما ورد في الخطبة بقرينة ما بعدها من عبارات ، إشارة إلى النفخة الثانية . والتعبير بالساعة ، إشارة إلى القيامة ، لأنّ الساعة تعني في الأصل ، برهة من الزمان أو لحظة عابرة ، ولما كان قيام الساعة سريعاً والحساب أيضاً سريعاً لاستناده للَّهسريع الحساب فقد عبّر عن القيامة بالساعة .
« لِفَصْلِ الْقَضَاءِ »
، القضاء الذي يفصل الحق من الباطل وزوال الأباطيل واضمحلال العلل ، إشارة إلى خلو القيامة من الكذب والاعذار الواهية والحجج الجوفاء وكل ما هنالك هو الحق والحقيقة . والعبارة
« وَصَدَرَتْ بِكُمُ الْأُمُورُ
هامش
( 1 ) . بحار الأنوار ، ج 6 ، ص 267 ؛ أصول الكافي ، ج 3 ، ص 242