وهي أنّ الإنسان كائن مادي وليس له من معرفة عميقة بعالم ما وراء المادة ولا يشعر بقرب اللَّه منه ؛ إلّاأنّه يدرك هذا المطلب تماماً حين يقال له إنّ أعضاء بدنك ستشهد عليك يوم القيامة ، كما يعير هذا الموضوع أهميّة كبرى إن قيل له : عليك ملكان يكتبان كل أعمالك ، وهذا بدوره يمثل عنصراً مهمّاً في ردعه عن ارتكاب الذنوب والمعاصي . فاللَّه سبحانه وتعالى أراد بكل وسيلة أن يصد عباده عن الذنوب ، وشهادة الأعضاء والملائكة واحدة من هذه الوسائل .
الغريب في الأمر أنّ هؤلاء الحفظة يحصون على الإنسان حتى عدد أنفاسه ولا يحتاجون في كتابتهم لأعمالنا لأدنى سراج ومصباح ، فهم يكتبون حتى في عتمة الظلمة المطلقة ، ولكن ما كيفية هذه الكتابة ؟ قطعاً ليس ذلك من قبيل كتابتنا وإن لم نحط علما بتفاصيل ذلك .
ثم واصل الإمام عليه السلام كلامه عن الموت والقبر الذي يهزّ الغافل بعنف فقال :
« وَإِنَّ غَداً مِنَ الْيَوْمِ قَرِيبٌ . يَذْهَبُ الْيَوْمُ بِمَا فِيهِ ، وَيَجِيءُ الْغَدُ لَاحِقاً بِهِ »
. المراد من
« الغد »
قرب نهاية العمر والموت الذي إن غفل عنه الإنسان يهوى في مستنقع الغفلة فإن رآه قريباً راقب أعماله وقام بوظيفته وتاب من ذنوبه . حقاً أنّ نهاية العمر ليست بعيدة مهما عمّر الإنسان ، ذلك أنّ الأشهر والسنين تمرّ بسرعة إلى جانب الحوادث غير المتوقعة والأمراض التي تهجم على الإنسان فجأة وتقضي عليه . وذهب بعض الشرّاح لنهج البلاغة إلى أنّ المراد ب
« الغد »
في العبارة المذكورة غد القيامة ، وهذا المعنى وإن كان قريباً إلّاأنّ المعنى الأول وبالاستناد إلى العبارات القادمة التي تحدثت عن القبر أنسب .
ثم ذكّر الجميع بوحشة القبر فقال :
« فَكَأَنَّ كُلَّ امْرِىءٍ مِنْكُمْ قَدْ بَلَغَ مِنَ الْأَرْضِ مَنْزِلَ وَحْدَتِهِ ، وَمَخَطَّ « 1 » حُفْرَتِهِ . فَيَا لَهُ مِنْ بَيْتِ وَحْدَةٍ ، وَمَنْزِلِ وَحْشَةٍ ، وَمُفْرَدِ غُرْبَةٍ ! » .
هامش
( 1 ) . « مخط » من مادة ( خط ) بمعنى الخط والعلامة ، فهو اسم مكان ، والمراد به في العبارة ، المكان الذي يُخط لحفر القبر