والمحبّة بين الأصدقاء ويزيل الأحقاد ، كما يوطد العلاقات العاطفية والاجتماعية وقد أولى الإسلام هذه المسألة الإنسانية والأخلاقية أهميّة قصوى حتى ورد في الخبر أنّ الإمام الصادق عليه السلام سأل أحد أصحابه :
« أَتُحِبُّ إِخوانَكَ يا حُسَين ؟ قُلتُ : نَعم ، قَالَ : تَنفَعُ فُقَرائَهُم ؟
قُلتُ : نَعم ، قَالَ : إِنَّهُ يَحُقُّ عَلَيكَ أَنْ تُحِبَّ مَنْ يُحِبُّ اللَّهَ ، أَمَا وَاللَّهِ لاتَنْفَعُ مِنهُم حَتّى تُحِبَّهُ ، أَتَدعُوهُم إِلى مَنزِلِكَ ؟ قُلتُ : نَعم ، مَا أَكُلُ إِلّا وَمَعِي مِنْهُم الرَّجُلانِ والثَّلاثَة وَالأقَلُّ وَالأَكثَرُ ، فَقالَ أَبُوعَبدِاللَّهِ عليه السلام : أَمَ إنَّ فَضْلَهُم عَلَيكَ أَعظَمُ مِنْ فَضلِكَ عَلَيهِم ، فَقُلتُ : فِداكَ أَطعِمُهُم طَعامِي وَأَوطِئُهم رَحلِي وَيَكُونُ عَلَيَّ فَضْلَهُم عَلَيَّ أَعظَمُ ؟ قَالَ : نَعم ، إِنَّهُم إِذا دَخَلُوا مَنزِلَكَ دَخَلُوا بِمَغفِرَتِكَ وَمَغفِرَةِ عِيالِكَ ، وإِذا خَرَجُوا مِنْ مَنزِلِكَ خَرَجوا بِذُنُوبِكَ وَذُنُوبِ عِيالِكَ » « 1 » .
ولمّا كان دفع الحقوق الواجبة والمستحبة وتعويض الخسائر شاقاً على النفس فقد أكد الإمام عليه السلام على الصبر والتحمل فقال :
« وَلْيَصْبِرْ نَفْسَهُ عَلَى الْحُقُوقِ وَالنَّوَائِبِ « 2 » ، ابْتِغَاءَ
الثَّوَابِ » .
وبناءاً على هذا فالتعبير بالحقوق يشمل الواجبة والمستحبة ، والنوائب جمع نائبة والحادثة الأليمة ، وتشير هنا إلى جميع الأمور التي تتضمن الخسارة المالية ، سواء كان من جانب ظلم الظلمة وحكّام الجور ، أو الحوادث غير المتوقعة التي تصيب الإنسان طيلة حياته .
والعبارة
« ابتغاء الثواب »
إشارة إلى أنّ الصبر تجاه كل هذا البذل وصرفه في الموارد المذكورة لابدّ أن يكون للَّهتعالى ليحصل الأجر والثواب .
وإختتم كلامه بالإشارة إلى الآثار العظيمة لهذا البذل فقال عليه السلام :
« فَإِنَّ فَوْزاً بِهذِهِ الْخِصَالِ شَرَفُ مَكَارِمِ الدُّنْيَا ، وَدَرْكُ فَضَائِلِ الْآخِرَةِ ؛ إِنْ شَاءَ اللَّهُ »
، فالحقّ أنّ البذل في الموارد الستة المذكورة يؤدّي إلى حسن سمعة الإنسان في المجتمع ، كما يوجب فوزه في الحياة الآخرة ، وأفضل شاهد على ذلك ما روي عن الإمام الحسين عليه السلام أنّه قال :
« مَنْ جَادَ سَادَ » « 3 »
، وقد أصبحت هذه
هامش
( 1 ) المصدر السابق 2 / 401 ، ح 8 .
( 2 ) « النوائب » : جمع « النائبة » تعني الحوادث الأليمة التي تصيب الإنسان ، ولكن فسّرها بعض أرباب اللغةبمطلق الحوادث سواء المطلوبة منها أو غير مطلوبة .
( 3 ) كشف الغمة 2 / 242 .