أضف إلى ذلك فانّ هذا المدح والثناء قائم ما دام البذل والعطاء ومد يد الجود والسخاء ، ولكن بمجرّد أن يقطع هذا البذل لا يبقى من أثر لذلك المدح ولاثناء ، هذا في الوقت الذي يكون فيه بخيلًا عن البذل في سبيل اللَّه تعالى : « مَادَامَ مُنْعِماً عَلَيْهِمْ : مَا أَجْوَدَ يَدَهُ ! وَهُوَ عَنْ ذَاتِ اللَّهِ بَخِيلٌ ! » .
وقد جربنا كلام الإمام عليه السلام مراراً في حياتنا والذاكرة البشرية تحتفظ بالكثير من ذلك طيلة التاريخ ، فقد حفلت الدنيا بالأفراد المتكالبين على الدنيا ممن تحكموا بثروات المجتمع وقد أغدقوها على المتملقين من الأشرار ممن حولهم وبطانتهم وقد ولو ظهورهم بالمرّة عن معاناة المحرومين وآلام المساكين ، فان دارت عليهم الدوائر وتنكرت لهم الدنيا ، هب المحرومون للوقوف بوجههم ولم يكتف الأمر عند هذا الحدّ ، بل تنكر لهم حتى أنصارهم من المتملقين وعرضوا لهم بالذم والتوبيخ ، فلم يتركوهم وشأنهم فحسب ، بل سارعوا للتمرد عليهم وأعدوا أنفسهم للانسجام مع من يخلفونهم من الحكّام ، وهذه هي عاقبة من ولى ظهره للحق تبارك وتعالى والخلق والتحق بركب النفعيين .
ورد في الحديث عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله أنّه قال :
« مَنْ طَلَبَ مَحامِدَ النَّاسِ بِمعاصِي اللَّهِ عادَ حامِدُهُ مِنهُم ذَامَّاً » « 1 »
، وعن المفضل عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال :
« إِذا أَرَدتَ أَنْ تِعلَمَ إِلى
خَيرٍ يَصيِيرُ الرَّجُلُ أَم إِلى شَرِّ ؟ انظُر إِلى أَينَ يَضَعُ مَعرُوفَهُ ؟ فَإنْ كَانَ يَضَعُ مَعرُوفَهُ عِندَ أَهلِهِ فاعلَم أَنَّهُ يَصِيرُ إِلى خَيرٍ وَإِنْ كَانَ يَضَعُ مَعرُوفَهُ عِندَ غَيرِ أَهلِهِ فاعلَم أَنَّهُ لَيسَ لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ » « 2 » .
هامش
( 1 ) بحار الأنوار 74 / 178 .
( 2 ) منهاج البراعة 7 / 439 .