أحداً بحسن السيرة والورع والتقوى كان عليه أن يوقن بخطأ ما يقال فيه من أمور مخالفة ، لأنّ الموارد المشكوكة غالباً ما تحمل على الموارد المعلومة وعلى حدّ التعبير المشهور :
« الظَّنُّ يَلحَقُ الشَّيءَ بِالأَعَمِّ الأغلَبِ »
، وبالطبع فانّ هذا الكلام لا يعني قبولنا لغيبة الأفراد وتتبعهم لعورات الآخرين الذين ليس لهم من سابقة ، بل الهدف مضاعفة التأكيد بالنسبة للأفراد من ذوي السوابق الحسنة ، بحيث لا ينبغي التصديق مطلقاً بما يقال بشأن أولئك .
ثم أشار الإمام عليه السلام إلى نقطة أخرى وهى لو فرضنا أنّ المتكلم كان صادقاً ، ولكن من الموقن به أنّه ليس بمعصوم ، وعليه فالخطأ محتمل من جميع الناس سوى المعصومين ، وعليه فلا ينبغي تصديق المقابل بكل سهولة في ما ينسبه إلى الآخرين ، ناهيك عن عدم مطابقة الظن والحدس إلى الواقع على الدوام ، فقال :
« أَمَا إِنَّهُ قَدْ يَرْمِي الرَّامِي ، وَتُخْطِئُ السِّهَامُ » ،
أضف إلى ذلك وعلى ضوء كلام الإمام عليه السلام : «
وَيُحِيلُ « 1 »
[ [ يُحيك ] ]
الْكَلَامُ ، وَبَاطِلُ ذلِكَ يَبُورُ « 2 » ، وَاللَّهُ
سَمِيعٌ وَشَهِيدٌ » ، في
إشارة إلى أنّ أغلب الناس لا يلتزمون بكلام الحق ويتفوهون بكل ما يرد على ألسنتهم ، ومن هنا لا ينبغي قبول ما ينسبونه إلى الآخرين من عيوب ، فقد يكون ذلك من الأقوال الباطلة التي تنسب إلى الأفراد دون تريث .
ثم أشار عليه السلام إلى نقطة مهمّة أخريس فقال :
أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ إِلَّا أَرْبَعُ أَصَابِعَ » .
وفي هذه الأثناء سأله أحد الحاضرين :
« عَنْ مَعْنى قولِهِ هذَا ، فجمع أَصابِعَهُ وَوَضعهَا بين أُذُنِهِ وَعَيْنِهِ ثمَّ قَالَ : الْبَاطِلُ أَنْ تَقُولَ : سَمِعْتُ ، وَالْحَقُّ أَنْ تَقُولَ : رَأَيْتُ ! » .
فالعبارة في الواقع إشارة إلى الشائعات التي تتناقها الألسن فيطالعك هذا وذاك وهم يرددون يقال كذا ويقال كيت وليس الأمر سوى شائعات لا أساس لها ، وقد قال عليه السلام لا تلتفتوا إلى الشائعات ولا تنسبوا إلى الآخرين ما لا ترون ، ومن هنا تتضح الإجابة على السؤال الذي أورده أغلب شرّاح نهج البلاغة ومفاده : إنّ الآيات القرآنية والوحي السماوي وسنّة النبي
هامش
( 1 ) « يحيل » : من مادة « إحالة » كل تغير أو حركة تخرج عن الحق والاستقامة وتحيل إلى الانحراف والاعوجاح .
( 2 ) « يبور » : من مادة « بوار » تعني في الأصل شدّة كساد الشيء وحيث يبعث ذلك على الفساد حسبما ورد في المثل كسد حيا فسد فقد أطلقت هذه المفردة على الفساد ومن ثم الهلكة .