القرآن الكريم :
« يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنْ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنْ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ » « 1 » .
وقال في النقطة الثانية التي تمثل في الواقع نتيجة بالنسبة للنقطة الأول :
« فَالْبَصِيرُ مِنْهَا شَاخِصٌ ، وَالْأَعْمَى إِلَيْهَا شَاخِصٌ » .
وبناءاً على هذا فقد استعمل الشاخص بمعنيين وما يصطلح عليه بالجنس التام ، المعنى الأول من مادة شخوص بمعنى الرحيل والمفارقة ، والمعنى الثاني التطلع وتصويب العين نحو موضع والتخلف عن الحركة ، وكأن العين تريد مغادرة الحدقة ، وللعبارة تفسير آخر اقتصر على ذكره شرّاح نهج البلاغة وهو أنّ الشاخص هنا يعني الراحل غاية ما في الأمر تطلق حين يقال « منها شاخص » ، كما يقال « إليها شاخص » وهذا هو الفارق بين من كانت له بصيرة والأعمى ، وقال في النقطة الثالثة والأخيرة :
« وَالْبَصِيرُ مِنْهَا مُتَزَوِّدٌ ، وَالْأَعْمَى لَهَا مُتَزَوِّدٌ » .
فهل البصيرة يتزودون من الدنيا للآخرة كما صرّح بذلك القرآن الكريم : « وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى » « 2 » ، بينما يتزود عمي القلوب من أجل العيش في الدنيا ، فهناك اختلاف تام بين المسيرين بتعين فقط بكلمة « منها » و « لها » .
التعامل مع الدنيا
هناك على الدوام نظرتان يمتلكها الإنسان تجاه الدنيا ، فأتباع الأديان السماوية يرون الدنيا بصفتها منزلًا لابدّ من التزود فيها إلى الآخرة ، يبلغون مرادهم بواسطة هذا الزاد والمتاع وليس لهم من مراد سوى السعادة الأبدية والفوز برضوان اللَّه سبحانه وتعالى ، أمّا أتباع المدرسة المادية ( والمدارس التي تتفق معها ) فهم ينظرون إلى الدنيا على أنّها الهدف النهائي والغاية فيوظفون كافة طاقاتهم ويجندون قواهم من أجل الظفر بها ، وأحياناً يتفق أصحاب النظرة الأولى في العمل مع أتباع النظرة الثانية ، يعني رغم اعتقادهم بأنّ الدنيا وسيلة لنيل الآخرة ، إلّا أنّ عملهم يشير إلى نسيان ذلك الاعتقاد وتعاملهم مع الدنيا كهدف نهائي ومن هنا وردت
هامش
( 1 ) سورة الروم / 7 .
( 2 ) سورة البقرة / 197 .