ذا الأعمدة القوية أصحابه من مخاطر الحوادث والحرارة والبرودة والحيوانات الوحشية والأعداء واللصوص ، فانّ القرآن الكريم يتكفل بحفظ أتباعه من الانحراف والضلال ووسوسة الخناسين وإلقاءات الشياطين .
وأشار في العبارة الثالثة إلى هذده الحقيقة وهى أنّ قدرة الإنسان لا تقهر إن لاذ بالقرآن وهبّ لنصرته ، وذلك لأنّ قدرة هداية القرآن تستند إلى قدرة اللَّه سبحانه وقدرة اللَّه قاهرة لا تغلب ، وبفعل مصداق الآية الشريفة : « إِنْ يَنْصُرْكُمْ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ . . . » « 1 » ، فمن تأيد بنصر القرآن لن يهزمه عدو .
القرآن الناطق
لعل العبارة التي وردت في هذا المقطع من الخطبة والتي عبّرت عن القرآن الكريم بأنّ
« نَاطِقٌ لَايَعْيَا لِسَانُهُ »
تشير هذا السؤال : كيف التوفيق بين هذه العبارة وما ورد عن الإمام في الخطبة 158 بشأن القرآن إذ قال عليه السلام :
« ذلِكَ الْقُرْآنُ ، فَاسْتَنْطِقُوهُ ، وَلَنْ يَنْطِقَ ، وَلَكِنْ أُخْبِرُكُمْ عَنْهُ » .
وكذلك العبارة التي وردت في الخطبة 183 إذ قال عليه السلام :
« فَالْقُرْآنُ آمِرٌ زَاجِرٌ ، وَصَامِتٌ نَاطِقٌ » ، أوليس
هناك من تضاد بين هذه العبارات ؟
تتضج الإجابة على هذا السؤال من أدنى دقّة وتأمل ، بعبارة أخرى فانّ العبارات المذكورة تفسر بعضها البعض الآخر ، لأنّ القرآن حين يعبر عن القرآن بالصامت والناطق فمفهوم ذلك أنّ كل تعبير ناظر لشيء ، مثلًا يمكن القول : القرآن صامت من حيث الظاهر ، لكنّه في الواقع تحدث بصوت جلي بليغ ، أو أنّه صامت إزاء الأفراد السطحيين بينما ناطق هو تجاه العلماء المفكرين ، أو أنّه ناطق في مواصلة الطرق العملية الأصولية ، أمّا بالنسبة لتطبيقها على مصاديقها استنباط الأحكام الفرعية ( كقضية التحكيم في حادثة معركة صفين ) ، فيجب على المجتهدين أن ينطقوا عنه ، ويمكن جمعها معاً في مفهوم جامع لكلام علي عليه السلام وسيأتي مزيد من التوضيح في ذلك هذه الخطبة .
هامش
( 1 ) سورة آل عمران / 160 .