بالعبارة المذكورة على خطأهم ليتم الحجة عليهم ، فلو فرض ( وفرض المحال ليس بمحال ) أنّه ضل فما الذي يدعو إلى الحكم بضلالة كافة امّة محمد صلى الله عليه وآله بضلاله :
« فَإِنْ أَبَيْتُمْ إِلَّا أَنْ تَزْعُمُوا أَنِّي أَخْطَأْتُ وَضَلَلْتُ ، فَلِمَ تُظَلِّلُونَ عَامَّةَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ ، بِضَلَالِي ، وَتَأْخُذُونَهُمْ بِخَطَئِي ، وَتُكَفِّرُونَهُمْ نبِذُنُوبِي ! » .
ثم واصل كلامه بالقول :
« سُيُوفُكُمْ عَلَى عَوَاتِقِكُمْ « 1 » تَضَعُونَهَا مَوَاضِعَ الْبُرْءِ وَالسُّقْمِ ،
وَتَخْلِطُونَ مَنْ أَذْنَبَ بِمَنْ لَمْ يُذْنِبْ » .
فهذا العبارات تتضمن إشارة إلى عدّة أجوبة : الأول بطلان التصور القائم على أني أحطأت وضللت ، فأولًا : أنّي قبلت التحكيم بفعل ضغوطكم ، وثانياً : لو تمّ التحكيم بصورة صحيحة لكان مطابقاً للقرآن ، فالواقع أنّ الحكم هو القرآن ، ومن ينهض بالتحكيم إنّما يرجع إلى القرآن ويستنبط منه حكم اللَّه سبحانه ، فيطبق الكليات على مصاديقها ، كما مرّ ذلك في الخطب السابقة ، وعليه فليس هنالك من عمل مخالف حكم اللَّه حتى يؤدّي إلى الخطأ والضلالة ، ثالثاً :
على فرض أنّي إرتكبت خلافاً فما معنى حمل ذلك على سائر المسلمين ؟ لم تكفرونهم وتريقون دماء الأبرياء ؟ أي قانون هذا الذي تتمسكون به ؟ وبأي شرع تؤمنون ؟
ثم إتّجه الإمام عليه السلام صوب خطأهم الأصلي المتمثل بقولهم كل مذنب كافر ، فردّ عليهم ردّاً قاطعاً فقال :
« وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله رَجَمَ الزَّانِيَ الُمحْصَنَ ، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهِ ، ثُمَّ وَرَّثَهُ أَهْلَهُ ؛ وَقَتَلَ الْقَاتِلَ وَوَرَّثَ مِيرَاثَهُ أَهْلَهُ . وَقَطَعَ السَّارِقَ وَجَلَدَ الزَّانِيَ غَيْرَ الُمحْصَنِ ، ثُمَّ قَسَمَ عَلَيْهِمَا مِنَ الْفَيْءِ ، وَنَكَحَا الْمُسْلِمَاتِ ؛ فَأَخَذَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله ، بِذُنُوبِهِمْ ، وَأَقَامَ حَقَّ اللَّهِ فِيهِمْ ، وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ سَهْمَهُمْ مِنَ الْإِسْلَامِ ، وَلَمْ يُخْرِجْ أَسْمَاءَهُمْ مِنْ بَيْنِ أَهْلِهِ » .
فقد أراد الإمام عليه السلام عدّة شواهد من سنّة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله تؤكد وضوح خطأ الخوارج ، الأول أنّ النبي صلى الله عليه وآله كان يعدم الزاني والقاتل ، ثم يصلّي عليهما ويوّرث أهلهما ، لو كفر هؤلاء بارتكابهم الزنا وقتل النفس لما وجب توريث أهلهم لهم حسب عقيدتكم ، لأنّ المسلم لا يرث الكفّار ، ( هذه عقيدة أغلب فقهاء العامّة ) ، كما حدّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله سائر المذنبين كالسارق
هامش
( 1 ) « عواتق » : جمع « عاتق » قسم من الجسم يقع بين الرقبة والكتف .