تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الولاية — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
دقيقة هي الأوصاف التي أوردها الإمام عليه السلام في هذه العبارة لهم ، فقد إبتدأها بالإيمان بالإسلام والفهم والإدراك الصحيح للقرآن والعمل به والذي الدافع الرئيسي للحركة نحو الجهاد ، ومن ثم عشقهم للجهاد الذي يشبه بعشق الام لولدها وولهها إليه ، ويثني على شجاعتهم حيث لم يفكروا قط في إغماد سيوفهم والتراجع عن الجهاد ، وأخيراً مدح مدى حركتهم الجماعية - والذين كانوا يحضرون في الميدان في أي موضع كانوا - والحق من يتحلى بهذه الصفات ، فهو منتصر على الدوام . ثم واصل الكلام بالحديث عن سائر صفاتهم حيث يكشف النقاب عن علوّ معنوياتهم ومدى زهدهم وخضوعهم وخشوعهم للَّه‌تبارك وتعالى فقال : « لَا يُبَشَّرُونَ بِالْأَحْيَاءِ ، وَلَا يُعَزَّوْنَ عَنِ الْمَوْتَى » . وهذه علامة علو روحيتهم حيث لم يكونوا بفكر قيود الحياة المادية ، بحيث ينزعجون لفقد الأحبة أو يهنى أحدهم الآخر على البقاء على قيد الحياة ، إنّهم يفخرون بالشهادة في سبيل اللَّه سبحانه ويرونها حلمهم في نيل السعادة الأخروية ، ومن صفاتهم أيضاً : « مُرْهُ « 1 » الْعُيُونِ مِنَ الْبُكَاءِ ، خُمْصُ « 2 » الْبُطُونِ مِنَ الصِّيَامِ ، ذُبُلُ « 3 » الشِّفَاهِ مِنَ الدُّعَاءِ ، صُفْرُ « 4 » الْأَلْوَانِ مِنَ السَّهَرِ « 5 » . عَلَى وُجُوهِهِمْ غَبَرَةُ الْخَاشِعِينَ » . نعم ، فهم في ساحات المعارك يزأرون كالأسد ، وإن جن عليهم الليل ارتفعت أصواتهم بالنحيب والبكاء وجرت دموعهم على خدهم ، هكذا هم في الحالين . ثم خلص الإمام عليه السلام بعد ذلك إلى الدرس والعبرة التي ينبغي الاحتذاء بها فقال : « أُولئِكَ إِخْوَانِي الذَّاهِبُونَ . فَحَقَّ لَنَا أَنْ نَظْمَأَ إِلَيْهِمْ ، وَنَعَضَّ الْأَيْدِيَ عَلَى فِرَاقِهِمْ » . لقد جرت عادة أرباب التربية على الاستشهاد بالنماذج البارزة القيّمة من أجل تهذيب الأفراد المطلوب تربيتهم ليتمكنوا من مقارنة أنفسهم بتلك النماذج فيحذو حذوهم ، يقفون
هامش
( 1 ) « مره » : أمره من مضت عينه أو وجعت . ( 2 ) « خمص » : جمع « أخمص » ضامر البطن . ( 3 ) « ذبل » : جمع « ذابل » الجفاف والتيبس . ( 4 ) « صفر » : جمع « أصفر » شاحب اللون . ( 5 ) « سهر » : البقاء واعياً في الليل .