دقيقة هي الأوصاف التي أوردها الإمام عليه السلام في هذه العبارة لهم ، فقد إبتدأها بالإيمان بالإسلام والفهم والإدراك الصحيح للقرآن والعمل به والذي الدافع الرئيسي للحركة نحو الجهاد ، ومن ثم عشقهم للجهاد الذي يشبه بعشق الام لولدها وولهها إليه ، ويثني على شجاعتهم حيث لم يفكروا قط في إغماد سيوفهم والتراجع عن الجهاد ، وأخيراً مدح مدى حركتهم الجماعية - والذين كانوا يحضرون في الميدان في أي موضع كانوا - والحق من يتحلى بهذه الصفات ، فهو منتصر على الدوام .
ثم واصل الكلام بالحديث عن سائر صفاتهم حيث يكشف النقاب عن علوّ معنوياتهم ومدى زهدهم وخضوعهم وخشوعهم للَّهتبارك وتعالى فقال : « لَا يُبَشَّرُونَ بِالْأَحْيَاءِ ، وَلَا يُعَزَّوْنَ عَنِ الْمَوْتَى » .
وهذه علامة علو روحيتهم حيث لم يكونوا بفكر قيود الحياة المادية ، بحيث ينزعجون لفقد الأحبة أو يهنى أحدهم الآخر على البقاء على قيد الحياة ، إنّهم يفخرون بالشهادة في سبيل اللَّه سبحانه ويرونها حلمهم في نيل السعادة الأخروية ، ومن صفاتهم أيضاً :
« مُرْهُ « 1 » الْعُيُونِ مِنَ الْبُكَاءِ ، خُمْصُ « 2 » الْبُطُونِ مِنَ الصِّيَامِ ، ذُبُلُ « 3 » الشِّفَاهِ مِنَ الدُّعَاءِ ، صُفْرُ « 4 » الْأَلْوَانِ مِنَ السَّهَرِ « 5 » . عَلَى وُجُوهِهِمْ غَبَرَةُ الْخَاشِعِينَ » .
نعم ، فهم في ساحات المعارك يزأرون كالأسد ، وإن جن عليهم الليل ارتفعت أصواتهم بالنحيب والبكاء وجرت دموعهم على خدهم ، هكذا هم في الحالين .
ثم خلص الإمام عليه السلام بعد ذلك إلى الدرس والعبرة التي ينبغي الاحتذاء بها فقال :
« أُولئِكَ إِخْوَانِي الذَّاهِبُونَ . فَحَقَّ لَنَا أَنْ نَظْمَأَ إِلَيْهِمْ ، وَنَعَضَّ الْأَيْدِيَ عَلَى فِرَاقِهِمْ » .
لقد جرت عادة أرباب التربية على الاستشهاد بالنماذج البارزة القيّمة من أجل تهذيب الأفراد المطلوب تربيتهم ليتمكنوا من مقارنة أنفسهم بتلك النماذج فيحذو حذوهم ، يقفون
هامش
( 1 ) « مره » : أمره من مضت عينه أو وجعت .
( 2 ) « خمص » : جمع « أخمص » ضامر البطن .
( 3 ) « ذبل » : جمع « ذابل » الجفاف والتيبس .
( 4 ) « صفر » : جمع « أصفر » شاحب اللون .
( 5 ) « سهر » : البقاء واعياً في الليل .