القسم الثالث عشر : الانقطاع إلى اللَّه
« لَمْ تُثْقِلْهُمْ مَوصِرَاتُ الآثَامِ ، وَلَمْ تَرْتَحِلْهُمْ عُقَبُ اللَّيَالي وَالأَيَّام ، وَلَمْ تَرْمِ الشُّكُوكُ بِنَوَازِعِهَا ، عَزِيمَةَ إِيِمَانِهمْ ، وَلَم تَعْتَرِكِ الظُّنُونُ عَلَى مَعَاقِدِ يَقِينهِمْ ، وَلَا قَدَحَتْ قَادِحَةُ الإِحَنِ فِيمَا بَيْنَهُمْ ، وَلَاسَلَبَتْهُمُ الْحَيْرَةُ مَا لَاقَ مِنْ مَعْرِفَتِهِ بِضَمائِرِهمْ ، وَمَا سَكَنَ مِنْ عَظَمَتِهِ وَهَيْبَةِ جَلَالَتِهِ فِي أَثْنَاءِ صُدُورِهْم ، وَلَمْ تَطْمَعْ فِيهِمْ الْوَسَاوِسُ فَتَقْتَرِعَ بِرَيْنِهَا عَلى فِكْرِهمْ » .
الشرح والتفسير
ذكر الإمام عليه السلام في هذا المقطع من الخطبة ما يكمل كلامه في صفات الملائكة - ولا سيما صفة العصمة عن الذنب والمعصية - ليوضح ذلك بسبع عبارات قصيرة عظيمة المعنى ، قال في الأولى أن ثقل الذنوب لم يعجزهم ويقعدهم فهم لايقارفون الذنب أبداً :
« لم تثقلهم موصرات « 1 »
الآثام »
، في إشارة إلى أنّ الذنب عادة ما يثقل كاهل الإنسان في مسيرة الطاعة ، ولما كانت الملائكة لا ترتكب الذنب قط فهي خفيفة على الدوام ومتأهبة للطاعة ، ولذلك لا يبدو صحيحاً ما احتمله بعض شرّاح نهج البلاغة في تفسيرهم لهذه العبارة من أنّ الذنوب التي يرتكبها الناس لاتجعلهم متقاعسين في عملهم ، وذلك لعدم انسجامه وسائر عبارات هذه الخطبة . ثم أشار عليه السلام في العبارة الثانية إلى أنّ الذهاب والاياب وتعاقب الليل والنهار لم يسق هذه الملائكة إلى الموت ( ليستولى عليها الضعف ، فهي متأهبة دائما للطاعة )
« ولم ترتحلهم عقب « 2 » الليالي والأيام »
، يحتمل أن يكون المراد عدم الانتقال من الحياة إلى الموت ، بل الانتقال
هامش
( 1 ) « موصرات » من مادة « اصر » بمعنى الحفظ والسجن ، ثم اطلق على كل فعل ثقيل يعيق الانسان عن العمل ، ومؤصرات الأثام مثقلاتها .
( 2 ) « عقب » جمع « عقبة » على وزن غرفة وجمعها غرف تعني النوبة . إشارة إلى تعاقب الليل والنهار حسبنوبتهما .