من الطاعة إلى المعصية أي أنّ طول الزمان لم يرهقها قط ولم يبعدها عن طاعة الحق سبحانه وتعالى - وقال عليه السلام في العبارة الثالثة أن سهام الشك لم تستطع أن ترم عزم إيمانهم :
« ولم ترم الشكوك بنوازعها « 1 » عزيمة ايمانهم »
ثم قال عليه السلام في العبارة الرابعة
« ولم تعترك « 2 » الظنون
على معاقد يقينهم »
كما أشار عليه السلام إلى عدم وجود العوامل التي تدعوا إلى إثارة نيران الحقد والعداء والضغينة لديهم ( لكي يجد الضعف من سبيل إلى وظائفهم - وعليه فالملائكة تعمل مع بعضها البعض الآخر بكل تنسيق وانسجام دون اختلاف في القيام بالوظائف الإلهية )
« ولا قدحت قادحة الإحن « 3 » فيما بينهم » ،
ثم واصل الإمام عليه السلام كلامه في أنّ الحيرة لم تسلبهم ما لديهم من معرفة وانطوت عليه صدورهم من هيبة للَّهوعظمة :
« ولاسلبتهم الحيرة ما لاق من معرفته بضمائرهم ، وما سكن عن عظمته وهيبة جلالته في أثناء صدورهم »
يمكن أن يكون المراد بالعبارة أن إيمان الملائكة ومعرفتها باللَّه وصفات جماله وجلاله على قدر من القوة بحيث لاتختزن أيه أوهام وحيرة يمكنها إختراق تلك المعرفة أو الحد منها ؛ والحال ليس الأمر كذلك لدى الإنسان ، فقد يصطدم بعض المؤمنين ببعض الأوضاع التي تؤدي إلى ذهولهم وحيرتهم وزعزعة دعائم إيمانهم . كما يحتمل أن يكون المراد بالحيرة هو عدم بلوغ كنه ذاته وصفاته ، إلّاأنّها لا تصدهم عن ذلك الإدراك الإجمالي للذات والصفات فيضطر وعلى غرار بعض الناس وبفعل عدم إدراك كنه الذات إلى تعطيل صفاته . ثم قال في الصفة الأخيرة :
« ولم تطمع فيهم الوساوس فتقترع « 4 » برينها « 5 » على فكرهم »
، فالذي يستفاد من مجموع هذه الصفات هو عدم تسلل أدنى خطا وشك وترديد وفتور وتقصير إلى أعمال أمناء الوحي من الملائكة ، وهم جاهدون في ابلاغها إلى الأنبياء والرسل . وضمنا فانّ هذا الكلام الشريف رسالة إلى جميع الأفراد - ولا سيما دعاة الإسلام والكتاب - إلى مراعاة الدقة والأمانة والإيمان والتسامي والابتعاد عن كافة ألوان الوساوس وأمراض الحقد والبغضاء والعداء والحسد والشك والترديد في ابلاغ دعوة الأنبياء ورسالتهم بالشكل الصحيح .
هامش
( 1 ) « نوازع » جمع « نازعة » من مادة « نزع » على وزن وضع بمعنى سحبه أو رفعه من مكانه .
وفي العبارة أعلاه ، تطلق على السهم عندما يراد اطلاقه من القوس في حالة سحب وتر الاطلاق إلى الخلف .
( 2 ) « تعترك » من مادة « عرك » الازدحام .
( 3 ) « إحن » جمع « إحنة » بمعنى الحسد والكره .
( 4 ) « تقترع » من مادة « قرع » بمعنى الضرب .
( 5 ) « الرين » بفتح الراء الدنس وما يطبع على القلب من حجب الجهالة .