الأجنحة وسيلة لدى الطيور للتحليق في السماء وكيفية تفاوتها في التحليق تبعا لكيفية هذه الأجنحة ، فانّ هذه العبارة بشأن الملائكة إشارة إلى تفاوتهامن حيث القوه والقدرة على القيام بالوظائف والمسؤوليات . صحيح أننا مكلفون بحمل جميع ألفاظ القرآن الكريم وكلمات الأئمة المعصومين عليهم السلام على معانيها الحقيقة ، دون حملها على الكناية والمجاز ما لم تكن هناك قرينة واضحة في الكلام ، ولكن بالنظر إلى العبارات التي تواصل فيها كلام الخطبة بشأن أوصاف الملائكة ، يبدو من المستبعد حمل هذه العبارات على معناها الظاهري ، ومن ذلك :
« ومنهم من قد خرقت أقدامهم تخوم الأرض السفلى . . . »
، وكذلك العبارات التي وردت سابقاً بشأن الملائكة ، كالذي ورد فيها في الخطبة الأولى بشأن الملائكة :
« ومنهم الثابتة في الأرضين السفلى أقدامهم ، والمارقة من السماء العليا أعناقهم . . . » « 1 »
، فهذه العبارات يمكن أن تكون قرينة واضحة على أنّ لمثل هذه الأوصاف بعد كنائي ومعنوي لا ظاهري ومادي . ثم أشار عليه السلام في مواصلة كلامه إلى بعض خصائص الملائكة وقال :
« لا ينتحلون « 2 » ما ظهر في الخلق من
صنعه ، ولا يدعون أنّهم يختلقون شيئاً معه ممّا انفرد به »
، ثم اردف عليه السلام كلامه مباشرة بما ورد في القرآن الكريم بشأن التسليم المطلق للملائكة أمام إرادة اللَّه سبحانه وتعالى فقال :
« عِبادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ » « 3 » ، نعم فهم آذان صاغية لأوامره سبحانه وانقياد مطلق لإرادته ، وهذه أولى خصائص الملائكة التي أشارت إليها الخطبة ، كما تشير ضمنياً إلى عصمة الملائكة وبعدهاعن الذنب والمعصية والخطأ والزلل ، فهي تبطل كافة مزاعم مشركي العرب وغير هم ممن قال بربوبيتها والوهيتها ، وتصفهم بأنّهم عباد مطيعون منقادون وليس لهم أن يكونوا شركاء اللَّه في الخلق .
ثم أشار الإمام عليه السلام إلى وظيفة أخرى من وظائف الملائكة بصفتهم حملة الوحي فقال :
« جعلهم اللَّه فيما هنالك أهل الأمانة على وحيه ، وحملهم إلى المرسلين ودائع أمره وفهيه ، وعصمهم من ريب الشبهات . فما منهم زائغ « 4 » عن سبيل مرضاته »
فالعبارة وإن
هامش
( 1 ) راجع المجلد الأول من هذا الشرح / 159 .
( 2 ) « ينتحلون » من مادة « انتحال » بمعنى ادعاء الشخص شيئا لصالحه ، وهو يتعلق بآخر .
( 3 ) سورة الأنبياء / 26 - 27 .
( 4 ) « زائغ » من مادة « زيغ » على وزن ميل بمعنى العدول عن الحق .