فلا تتصوروا أنّ أعماركم ممتدة لا نهاية لها وأنّ الفرصة سانحة على الدوام لتدارك مافرط ، ولا تظنوا أنّ أعمالكم خافية مستترة ولا تعود عليكم ، فالموت حق والعمر محدود والأعمال محفوظة عند اللَّه تنتظر الثواب أو العقاب .
وعليه فالمراد بقوله :
« لكل غيبة إياب »
إمّا الموات وأعمال الإنسان !
كما نرى مثل هذا التعبير في سائر خطب نهج البلاغة . فقد خاطب عليه السلام الامّة في الخطبة 83 داعياً إياها إلى التوبة قبل حلول الموت الذي عبر عنه بالقول :
« قبل قدوم الغائب المنتظر » .
كما ورد مثل هذا المعنى في الخطبة 64 « 1 » .
ثم قال عليه السلام :
« فاستمعوا من ربانيكم ، واحضروه قلوبكم ، واستيقظوا إن هتف « 2 » بكم »
. ثم واصل الإمام عليه السلام كلامه بالنصح والوعظ والتحذيرات ، على أنّ الزعيم لابدّ أن يتحدث بصدق إلى اتباعه ، ويحرص على لم شملهم وجمع كلمتهم ، ويحضر لديهم ذهنه بغية نجاتهم وانقاذهم وهذا ما عليه الحال بالنسبة لزعيمكم
« وليصدق رائد « 3 » أهله ، وليجمع شمله « 4 » ،
وليحضر ذهنه »
. وخلاصة القول فانّ لزعيم الجماعة وظيفة ، كما للُامّة وظيفة أيضاً ، فهو يجب عليه أنّ يبيّن للُامّة الواقع والحقائق من جانب ، ومن جانب آخر عليه أن يجمع أفراده وينظمهم ويمنحهم فكره وذهنه ، فإذا قام الإمام بهذه الأمور ، كانت وظيفة الأمة تتمثل بالجد والاجتهاد من أجل امتثال أوامره .
ثم قال عليه السلام :
« فلقد فلق « 5 » لكم الأمر فلق الخرزة « 6 » ، وقرفه « 7 » قرف الصمغة »
.
هامش
( 1 ) ذهب بعض شرّاح نهج البلاغة إلى أن هذه العبارة منقطعة حيث لم يروا من ارتباط واضح بينها وبين العبارات السابقة على أنّ السيد الرضي فصلها طبق عادته في الانتخاب ، والحال هذا ليس من عادة الرضي ( ره ) في أن يحذف عبارة دون أن يشير إليها كما مرمعنا ذلك بقوله ( ومنها ) وعليه وكما ذكرنا فان هناك علاقة معنوية وطيدة .
( 2 ) « هتف » من مادة « هتاف » صراخ .
( 3 ) « الرائد » من يتقدم القوم ليكشف لهم مواضع الكلأ ويتعرف سهولة الوصول إليها من صعوبته .
( 4 ) « شمل » بمعنى الجمع .
( 5 ) « فلق » بفتحتين بمعنى الشق .
( 6 ) « الخرزة » الجواهر القيمة النفيسة أو قليلة الثمن .
( 7 ) « قرف » من مادة « قرف » على وزن حرف بمعنى التقشير .