فالعبارة تفيد عدم سلامتهم فيها سوى القلة القليلة منهم ، لأنّ هؤلاء الظلمة لا يدعون بقاء أحد من المؤمنين الصالحين .
ولا يكتفون بذلك بل :
« تعرككم « 1 » عرك الأديم « 2 » وتدوسكم « 3 » دوس الحصيد »
. ويفصلون أهل الإيمان منكم فيقضون عليهم كما تلتقط الطيور الحبوب القوية من الضعيفة :
« وتستخلص المؤمن من بينكم استخلاص الطير الحبّة البطينة « 4 » من بين هزيل « 5 » الحبّ » .
في إشارة إلى أنّ ظلمهم يعم الجميع ، إلّاأنّ ظلمهم وجورهم يتضاعف تجاه المؤمنين من الأفراد .
تأمّل : الحكومات المستبدة
إنّ ما أورده الإمام عليه السلام في هذه الخطبة وإن كان أخباراً عن بني أمية وحكومتهم في المستقبل ، إلّاأنّه يبدو أنّ ذلك يمثل قانوناً عاماً كلياً بشأن كافة الحكومات المستبدة الجائرة ، فهي تجهد من أجل ترسيخ دعائمها واعتماد المعايير اللازمة لضمان منافعها وديمومتها ، والتعامل بمنتهى العنف والقوة مع من يهب لمعارضتها ، فتقمع العناصر المؤمنة ولا سيما الناشطة منها ، فهي لا تعرف أية قيمة لقانون أو رأفة ورحمة وإنسانية ، كما لا تأبه بحقوق الناس ؛ الأمر الذي نلمسه بوضوح في الحكومات المعاصرة .
هامش
( 1 ) « تعرك » من مادة « عرك » شديد الدلك ومن هنا تطلق المعركة على ميدان القتال حيث يدك كل منها الطرف الآخر .
( 2 ) « الأديم » في الأصل بمعنى جلد أي شيء . ويستفاد من هذه الكلمة بشكل أكثر عند الحديث عن جلود الحيوانات .
( 3 ) « تدوس » من مادة « دوس » على وزن قوس .
( 4 ) « بطينة » من مادة « بطن » سمين .
( 5 ) « هزيل » ضد بطين بمعنى الضعيف وخفيف الوزن .