ثم أورد عليه السلام الدليل الخامس والسادس الذي يدعو إلى الزهد في الدنيا وهو أنّ فرحها مقرون بالحزن وسرورها بالهم وقدرة الرجال وقوتهم إلى الضعف والوهن :
« سرورها مثوب بالحزن وجلد « 1 » الرجال فيها إلى الضعف والوهن » .
فمشكلة النعم المادية الدنيوية قد أشار إليها الإمام عليه السلام في موضع آخر فقال :
« لاتنالون منها نعمة إلّابفراق أخرى » « 2 »
، على سبيل المثال فالعقيم يتصدع قلبه بفعل عدم وجود الأولاد ؛ إلّا أنّ مشكلته قد تحل بأن يمنح الأولاد ، فسرعان ما تهجم عليه سائر المشاكل ! ليس له ثروة كافية فيؤرقه ألم الفقر والحاجة ، فإذا ما أصاب ثروة ، واجهته مشاكل الحسد وخيانة الخونة وطمع اللصوص بثروته ، حتى يفقد سكينته واستقراره . نعم فسرور الدنيا مشوب بالهم والغم والحزن ، وقوة الإنسان آيلة فيها إلى الوهن ، وهكذا يخلص الإمام عليه السلام من هذه الأدلة إلى نتيجة مؤداها :
« فلا يغرنكم كثرة ما يعجبكم فيها لقلة ما يصحبكم منها » .
صحيح أنّ الدنيا مليئة بمعاني الزينة والجمال والمظاهر الخلاية ، إلّاأنّها وعلاوة على استبطانها للمشاكل والمحن ، فهي متقلبة سائرة نحو الفناء والزوال . وعليه فلا يجدر بالعاقل الاهتمام بها والركون إليها .
على كل حال فانّ أدنى تأمل لهذه الأدلة يكفي لافاقة الغافلين من سباتهم ، إلّاأنّ المؤسف هو أنّ أغلب الناس يبخل على نفسه حتى بتلك اللحظة من التأمل .
تأمّل : الزهد في الدنيا
قد يتصور أحياناً بأنّ مفهوم الزهد هو التخلي التام عن الدنيا ، والتقوقع في زاوية والابتعاد عن المجتمع ، والحال لا ينسجم هذا المعنى والروح الاجتماعية للإسلام ؛ الأمر الذي ورد النهي عنه في الروايات الإسلامية .
والحق أنّ للزهد معنى آخر وهو ترك التعلق المفرط بالدنيا وعدم الوقوع أسيراً في قبضة
هامش
( 1 ) جلد بمعنى القوة والصلابة .
( 2 ) نهج البلاغة ، الخطبة 145 .