إنّ الذنب هو المادة التي تفضي إلى كافة الحروب والنزاعات والجنايات وسفك الدماء وما إلى ذلك من انحرافات .
ثم تطرق الإمام عليه السلام بعبارات قصيرة لأدلة اثبات تلك الحقيقة فأوجزها في ستة أدلة :
« فانّها والله عما قليل تزيل الثاوي « 1 » الساكن » .
نعم لابدّ لكل إنسان دون استثناء ان يودع يوماً هذا العالم ، بعضهم يودع أبكر ، والبعض الآخر قليل يتأخر ، ولكن لا مناص من تذوق هذه المرارة : « كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ » « 2 » .
والفارق بين ثاوي وساكن هو أنّ الثاوي تطلق عن من أقام بصورة مستمرة في مكان وقد استقر فيه ، وقد يكون الساكن كذلك أو لا يكون ، وبناءاً على هذا فالشباب الذين يعتقدون باستقرارهم لمدة مديدة في هذه الدنيا معرضون للزوال ، وكذلك الكهول يبدو سكنهم مؤقتاً ومحدوداً ، فالجميع يسير نحو الفناء والزوال ، إلى عالم البقاء والخلود .
ثم قال في الدليل الثاني أنّ الدنيا تفجع بمصائبها من غرق في النعم واغتربها :
« وتفجع المترف « 3 » الأمن » .
نعم بينما ترى هذا الإنسان غارقاً في لذاته ونعمه وإذا نقل إليه خبر موت فلان . ويالها من عبرة هذه الوفيات المفاجئة ، وما أكثرها في هذا الزمان . ويالها من عبرة أنّ تراه غارقاً ليلًا في نعمه وملذاته فيصحوا صباحاً وقد فقد كل شيء .
أمّا الدليل الثالث والرابع فهو أنّ ما يذهب من الدنيا لا يعود أبداً ، ولا يعلم كيف سيكون المستقبل :
« لا يرجع ما تولى منها فأدبر ، ولا يدري ما هو آت منها فينتظر » .
ويالها من محنة إلّايعثر الإنسان على ضالته قط ، كما يفقد الأمل بالمستقبل ! فهو في حسرة دائمة ! فلا الشباب يعود إليه ، ولا قواه وطاقاته التي ذهبت أدراج الرياح مع تقادم العمر ، هذا كله من جانب ، ومن جانب آخر فالخوف من المستقبل الغامض الذي يهز كيانه ويؤرق تفكيره ويقض مضجعه .
هامش
( 1 ) « ثاوي » من مادة « ثواء » الإقامة مع الاستقرار .
( 2 ) سورة آل عمران / 185 .
( 3 ) « مترف » من مادة « ترف » التنعم ويطلق « المترف » على من تغفله كثرة النعم وتؤدي به إلى الغرور والطغيان .