ثم قال عليه السلام :
« فوالذي فلق « 1 » الحبة وبرأ « 2 » النسمة « 3 » إن الذي أنبئكم به عن النبي الامّي « 4 »
صلى الله عليه وآله ، ما كذب المبلغ ، ولا جهل السامع »
والعبارة التي صدرت بالقسم لمن ابداعات أمير المؤمنين عليه السلام التي ذكرت لمرات في خطب نهج البلاغة ، حيث يشير إلى نقطة مهمّة وهى أنّ أهم وأعقد مسألة في نظام عالم الوجود هي مسألة الحياة ؛ سواء في عالم النباتات أوفي عالم البشرية ، ورغم الجهود المضنية التي بذلها الإنسان في هذا المجال ، ما زالت هنالك الأسرار التي تختزنها هذه الحياة لم تكتشف بعد . وبناءاً على هذا فانّ الحياة رائعة الخلق وهو الشيء الذي يربطنا تأمله باللَّه ويدل على أن هذه الظاهرة العجيبة ليست بالشيء الذي انبثق دون علم الله وقدرته ، فالاستفادة من هذه الأوصاف حين القسم تجسد مفهوما بارزاً في الأذهان .
على كل حال فانّ هدف الإمام عليه السلام طمأنة مخاطبيه إلى أنّ ما يقوله بشأن الحوادث المستقبلية لا يستند إلى الحدس والتخمين ، ولا من قبيل نبوءات الكهنة ، بل هو واقع وحق سمعه من رسول الله صلى الله عليه وآله وليس الإمام عليه السلام من يخطئ في إدراك كلام النبي صلى الله عليه وآله . وعليه فما يقوله هو عين الحقيقة والصواب ، واطلاعهم على هذه الأحداث من سبيله الحد من أخطارها .
فقد ورد في الخبر حين نزلت الآية الشريفة :
« وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ » « 5 » .
قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام
: « سألت الله تعالى أن يجعلها أذنك يا علي ! قال عليه السلام فما نسيت شيئاً بعد ذلك » « 6 » .
هامش
( 1 ) « الخلق » : وتأتي أحيانا بمعنى الإبداع والإيجاد والتقدير ، وأحيانا بمعنى الابتعاد والبراءة من الشيء . وفيهذه الخطبة جاءت هذه الكلمة بالمعنى الأول .
( 2 ) « برأ » من مادة « برء » على وزن ظلم وتعني الصحة وحسن الحال ، أي خروج الشخص من حالته الأولى ، والتي كان فيها مريضاً إلى حالة جيدة وحسنة .
( 3 ) « نسمة » تعني في الأصل هبوب الرياح المعتدلة ، كما تأتي بمعنى التنفس ، ومن هنا تطلق على الإنسان .
( 4 ) التعبير بالأمي يطلق على الشخص الذي لا يعرف القراءة والكتابة ، أو على الشخص الذي ينسب إلى الأم ، وهو الذي تعلم في أحضان أمه ولم يتعلم من غيرها .
وهنا نود ان نشير إشارة لطيفة في هذا المورد ، وهي أن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله كان امياً ، ولكنه أخبر عن الماضي والمستقبل ، وهذه من علامات ارتباطه بالله سبحانه وتعالى .
( 5 ) سورة الحاقة / 12 .
( 6 ) كفاية الطالب للكنجي / 40 وردى مثل هذا المعنى أغلب مفسري العامة كالقرطبي في تفسير جامع الأحكام والبرسوي في روح البيان والآلوسي في روح المعاني ، ذيل الآية 12 من سورة الحاقة .