ثم خاض في توضيح هذه الفاجعة الكبرى :
« فإذا فغرت « 1 » فاغرته ، واشتدت شكيمته « 2 »
وثقلت في الأرض وطأته ، عضت الفتنة أبناءها بأنيابها ، وماجت الحرب بامواجها ، وبدا من الأيام كلوحها « 3 » ، ومن الليالي كدوحها « 4 » » .
هناك قولان رئيسيان لشرّاح نهج البلاغة في المراد بالضليل في عبارة الإمام عليه السلام :
الأول : أن يكون المراد به معاوية الذي أحكم قبضته على العراق بعد شهادة أمير المؤمنين علي عليه السلام وصلحه مع الإمام الحسن عليه السلام ، وقد نفذ كل ما ورد في العبارة عملياً ، والثاني : أن يكون المراد به عبد الملك بن مروان الذي سلط ذلك المجرم المعروف الحجاج على الكوفة فسام الناس سوء العذاب وجرعهم أنواع الظلم ، ومهما كان فالعبارة إشارة إلى الطغاة من حكام بنى أمية .
والعبارة
: « عضت الفتنة أبناءها بأنيابها »
إشارة إلى أن هذه الفتن ستطيل حتى أولئك الذين يثيرونها ! فعادة ماتعصف بهم الاختلافات الداخلية ، أو أن يتسلط عليهم أعداؤهم فيذيقونهم أشد العذاب .
ثم قال عليه السلام
: « فإذا أينع زرعه وقام على ينعه « 5 » ، وهدرت شقاشقه « 6 » ، وبرقت بوارقه ،
عقدت رايات الفتن المعضلة ، وأقبلن كالليل المظلم ، والبحر الملتطم » .
في إشارة إلى أنّ حكومة هؤلاء لن تدوم ، كما لن يلتذ هؤلاء الضلال الظلمة بفتنهم ، وسرعان ما تحيط بهم رايات المخالفين .
ويمكن أن تكون هذه العبارة إشارة إلى قيام بني العباس ضد بني أمية .
ثم اختتم عليه السلام الخطبة بالقول :
« هذا ، وكم يخرق الكوفة من قاصف ، ويمرعليها من
هامش
( 1 ) « فغرت » من مادة « فغر » على وزن فقر فتح الضم .
( 2 ) « شكيمة » تعني في الأصل الحديدة المعترضة في اللجام في فم الدابة ، ويعبر بقوتها عن شدة البأس ، ثم أطلقت على كل قوة .
( 3 ) « كلوح » عبوس .
( 4 ) « كدوح » شدة السعي والجهد ، وتعني في الأصل الخدش وأثر الجراحات .
( 5 ) « ينع » بمعنى نضج الفاكهة ، ثم اطلق على كل نضج واستعداد لتلقي نتيجة .
( 6 ) « شفاشق » جمع « شقشقة » شيء كالرئة يخرجه البعير من فيه إذا هاج .